تحولت تغطية محطة التلفزيون البريطانية الـ"بي بي سي" لمراسم دفن وتشييع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد والتي نقلتها حية على الهواء يوم الأربعاء الماضي إلى محاضرة في الدين الإسلامي، هكذا رأى رئيس تحرير المحطة البريطانية الملك الراحل، زعيماً دينياً يوارى الثرى، رغم أنه رحمه الله لم يقل يوماً إنه زعيم ديني. ولكن البريطانيين رأوه إماما للمسلمين فتوقفوا مليا أمام تلك المراسم وحللوا ما تعني لهم في اختلافها عما عهدوه في جنازات من سبقوه من الزعماء حتى العرب والمسلمين منهم، فدعوا الفقيه المصري، المقيم في بريطانيا منذ أمد، الدكتور زكي بدوي، كي يشرح للمشاهد البريطاني ما يفعله هؤلاء المسلمون في دولتهم الإسلامية.
هكذا يرانا العالم، دولة إسلامية. وهكذا يروان ملوكنا، أئمة للمسلمين. ولكن ما بال أقوام من بني جلدتنا يثيرون غبارا وتشكيكا حول هويتنا الإسلامية؟ إنها "القاعدة" ومن لف لفها. "القاعدة" نعرفها، وندرك ما ترمي إليه عندما هاجمت المرجعية السياسية للقيادة السعودية، ومن ثم المرجعيات الدينية، حتى يخلو لها الجو، فتتصدى للفتيا والقيادة، فنجحت في غسل أفكار ثلة من الأحداث حولتهم إلى قتلة ومقتولين، ولكن هناك من ينشط حولها، بعضهم قريب منها حتى الالتصاق، وآخرون يقفون عن بعد يمارسون الصمت وفرك الأيدي، ويتظاهرون علينا بالحوقلة والتأسف، ولكن يتوقفون دون الإنكار الكامل، إن غرضهم قريب من غرض "القاعدة".
ولكن العالم يصر على أننا دولة إسلامية، وأن مليكنا الراحل إمام، وأن خليفته الملك عبد الله إمام آخر في سلسلة من الأئمة الذين يحكمون بلادنا بشرع الله. إن الصورة التي عشناها في وداع الملك الراحل والصلاة عليه والدعاء له، ومن ثم بيعة الملك عبد الله حفظه الله في صيغتها الإسلامية البسيطة والتلقائية والماضية على سنن من سبقنا من سلف صالح يمتد نهجهم إلى نبي الأمة محمد عليه الصلاة والسلام كفيلة بأن تدعونا إلى أن نطوي صفحة التشكيك ونتوقف عن التكسب من وراء قسمتنا إلى فسطاط أهل إيمان وصلاح، وفسطاط أهل علمنة وفسق وتغرب، إلى غير رجعة.
فمثلما وقفنا جميعا نواري مليكنا الثرى وفق شريعتنا الإسلامية، ونبايع مليكنا عبد الله ببيعة إسلامية اتفقنا جميعا على صيغتها وإن اختلفت ظواهرنا بين شيخ عالم متدين كث اللحية قصير الثوب، ومتدين آخر حليق مسبل، ولكن تزاحمت اكتافهما في أروقة قصر الحكم في وسط عاصمتنا الرياض، فكلنا سعوديون، قد نختلف في التفاصيل، وتتعدد اجتهاداتنا، ومذاهبنا، ولكننا شركاء في وطن واحد ونسمع ونطيع لولي أمر واحد.
أعتقد أن هذا هو أهم تحد يواجهنا، قبل أن يواجه قياداتنا الجديدة القديمة، وهو أن نتعلم كيف ننهي حالة الاستقطاب التي من المفيد أن نعترف أنها تسللت علينا خلسة في السنوات الماضية، فأثرت في وحدتنا وأوهنت كلمتنا وشغلتنا عما هو أهم وأدعى للعناية. اختلفنا حتى على حب الوطن وتحية علم الوطن، وحرم بعضنا الوقوف تعظيما له، وهو ما يفعله كبيرنا قبل صغيرنا، بل حتى خرج من بيننا من يقول إنه "إذا تعارض حب الوطن مع أمر من أمور الدين كالهجرة والجهاد في سبيل الله فإن تقديم حب الوطن على الجهاد والهجرة أمر محرم شديد التحريم"! فلو قبلنا بهذا القول، ومضينا بهذه الروح ، فأي وطن سيبقى لنا؟ كأن صاحب القول السابق يرانا كفار قريش بينما يفتي فضيلته للمستضعفين من المسلمين في مكة.
إننا خلف قائد إمام يريد أن يجمع القلوب، فشجع الحوار الوطني وجعل له مؤسسة تجمع أولئك المتخاصمين حتى يدركوا أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، واليوم يريد أن يقودنا لحياة أفضل، ينشر بيننا العدالة، بعدما أمضى السنوات الماضية شريكا للراحل الفهد يصوغ لنا خطة عمل مفصلة تشمل إصلاحا في التعليم والقضاء والاقتصاد وشتى مناحي الحياة، كفيلة لو طُبقت أن تكون نهضة جديدة، ولكن خطة عمل كهذه تحتاج إلى فريق واحد ينفذها وينجحها.
إننا بأمس الحاجة إلى أن تشملنا جميعا روح "الفريق الواحد" فهل نستطيع ذلك؟
إن الفرصة مواتية للمملكة وشعبها للترقي أكثر والاستزادة من نعم الدنيا، فالاستقرار قائم، والقيادة مجمع عليها، والاقتصاد في أفضل أحواله منذ عقد أو أكثر، والعالم من حولنا يموج بتغيرات يراها البعض تحديات ويراها آخر فرصاً؛ فإن كانت كذلك فلا نضيع الفرصة المتاحة، وإن كانت تحديات فلا نزيدن الطين بلة بتناحر وتقسيم للمجتمع.
قال البعض إن في مجتمعنا أهل خير و أهل شر، وفي ذلك جناية على كل المجتمع، فكلنا إن شاء الله أهل خير وصلاح، ولكن تتعدد الرؤى في سبل الخير، تعدد اختلاف لا تعدد تضاد، وكل يكمل أخاه ويصوبه، لقد وقعت اليد على اليد يوم البيعة، وكلتا اليدين وقعتا على يد ولي الأمر، فلنحافظ على كل تلك الأيدي معا مثلما اجتمعت في ذلك اليوم العظيم.