بعد سنوات من الإرهاب والعنف, لاحت أخيراً لحظة للفأل والأمل. ففي خلال الشهر الحالي, سيقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي إرييل شارون على إخلاء 9000 من المستوطنين اليهود في قطاع غزة والضفة الغربية. ومن جانبه شرع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية, محمود عباس أبومازن, في اتخاذ الخطوات الأولية في خوض المواجهة اللازمة مع المتطرفين الفلسطينيين, الذين لا يريدون للسلام أن يتحقق. وقد جاءت هذه الخطوات إثر تردد طويل من جانبه. ومما لا شك فيه أن الخطر يحدق بالكثير من هذه العملية على كلا الجانبين. فقد وضع القائدان الإسرائيلي والفلسطيني مصيرهما السياسي على المحك. من ذلك مثلاً أعلنت خدمات "شين بيت" الأمنية عزم نحو مائتين من الإسرائيليين اليهود, على اغتيال شارون متهمين إياه بخيانة تعاليم دين الآباء, في حين ارتدى جميع أعضاء مجلس وزرائه, الصدريات الواقية من الرصاص, تزامناً مع دخول نحو 10 آلاف إسرائيلي من المستوطنين المعارضين لخطة الانسحاب, في مواجهات مع قوات الشرطة الإسرائيلية على بعد بضعة أميال فحسب من القطاع. وعلى الأرجح أن تزداد تلك المواجهات سوءاً قبل أن يطرأ عليها أي تحسن.
وبالنسبة لإسرائيل فإن خطة الانسحاب هذه, تعد أقسى الاختبارات لديمقراطيتها, منذ تأسيس الدولة اليهودية في عام 1948. ذلك أنها تواجه مسألة ما إذا كان ممكناً للأقلية الأحادية الجانب والفكر, أن تطيح بقرارات الأغلبية التي أجازها كل من البرلمان ومجلس الوزراء الإسرائيلي. أما على الصعيد الفلسطيني, فيواجه السيد أبومازن مشكلاته واختباراته الداخلية هو الآخر. من ذلك مواجهته للتقريع والتعنيف الشفوي المستمر, من قبل عناصر الجماعات والتنظيمات المتطرفة مثل "حماس" و"منظمة الجهاد الإسلامي". وكما شهدنا فقد خاضت "حركة حماس" معارك شوارع مكشوفة مع السلطة الفلسطينية. كما خرقت المنظمتان المذكورتان, وقفاً لإطلاق النار تم التوصل إليه مع إسرائيل في شهر فبراير من العام الحالي. فقد شنت كلتاهما هجمات على أهداف إسرائيلية, استخدمت فيها القنابل والمتفجرات والعمليات الانتحارية. والمعلوم أن الرسالة التي يسعى إلى بعثها المتطرفون الفلسطينيون, هي أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة, إنما جاء انكساراً أمام العنف, وليس نتيجة للحكمة الدبلوماسية.
وفي الواقع فإن هذه الصورة عن الانسحاب, هي التي تسود في أوساط الفلسطينيين. وفيما لو تحولت غزة إلى معقل لشن العمليات والتطرف والعنف –وفقاً لتلك الصورة- فليس من المستبعد أن يتمكن المتطرفون من اختطاف حل الإعلان عن دولتين مستقلتين تعيشان جنباً إلى جنب!إن هذه الفكرة المتطرفة القائمة على وهم "العائد السياسي للعنف", إنما هي التي تدفع الإسرائيليين إلى إعادة النظر فيما إذا كان الانسحاب المرتقب, سيبدو هزيمة وانكساراً عسكرياًَ أمام المتطرفين؟ وبهذه الطريقة, فلا ريب أن تكف إسرائيل عن تنفيذ أي انسحاب لاحق, من أي من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها سابقاً. كما سيكون الانسحاب المرتقب من القطاع, العدسة التي ينظر بها إلى مستقبل عملية السلام بين الجانبين. وفيما لو فشلت, فإن الفوز فيها سيكون من نصيب المتطرفين, على حساب المعتدلين الفلسطينيين.
وكل هذه الحقائق تستدعي من الدول العربية –باستثناء مصر- أن تتجاوز سلبيتها الراهنة إزاء خطة الانسحاب, وتتخذ موقفاً أكثر تفاعلاً وإيجابية. وغني عن القول إن في السلبية العربية الواضحة, خطأً وسلوكاً عاطلاً, لا يثمر سوى العجز وانعدام الحيلة. وما أن يستأنف العنف المتبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين, حتى تنهض الدول العربية من غفوتها, وتستشعر حرارة المواجهة, وغليان الغضب الشعبي. فسوف تبث الكثير من الصور المروعة عن ذلك العنف عبر "قناة الجزيرة" وغيرها من الفضائيات العربية, وسوف ترى كيف توجه سهام الغضب الشعبي العارم, إلى صدور القادة العرب, وتتهمهم الشوارع العربية بالعجز وانعدام الفاعلية. ولتفادي هذه النتيجة, فإن من صالح هؤلاء القادة, أن يحولوا دون مساعي "حركة حماس" الرامية إلى التقليل والاستهانة بشأن محمود عباس وعملية السلام كلها. ولكي نعبر بإيجاز عن الدور المطلوب من هؤلاء القادة, لنقل إنهم "حلقة وصل رئيسية مفقودة" حتى الآن!
ومن المؤكد أن هناك عدة خطوات رئيسية في وسع هؤلاء القادة اتخاذها في هذه اللحظة الدقيقة, من تاريخ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. أولها تقديم دعم وعون سياسي مالي لمحمود عباس أبومازن. يذكر أن أبومازن أعلن في حديث له مؤخراً بقطاع غزة, أنه "ليست ثمة شرعية للأسلحة في شوارع مدننا وقرانا ومخيماتنا, سوى تلك التي تتمتع بها أسلحة السلطة الوطنية". وفي تلك الجملة تحذير صريح لكل من "حركة حماس" و"منظمة الجهاد الإسلامي" بعدم مشروعية الأعمال المسلحة التي تقومان بها. ولكن السؤال: لماذا يتعين على أبومازن خوض هذه المعركة وحده؟ فالملاحظ أن الدول العربية, آثرت الصمت والابتعاد, وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد! والغريب أن هذا الموقف شمل حتى مصر, التي لعبت دور