أثبتت الولايات المتحدة مرة أخرى وكما يقول لورنس كورب، وبيتر أودجن، كاتبا المقال المنشور يوم أمس الاثنين بصفحات "وجهات نظر" والمعنون بـ"الصفقة الخاسرة مع الهند"، أن هناك بونا شاسعا بين ما تقوله وتدعيه، وبين ما تمارسه على أرض الواقع. فهي قد تدعو إلى الحد من انتشار النووي، وتتصدى للدول التي تقوم بذلك كما هو الحال مع إيران وكوريا الشمالية، ولكنها لا تتردد مع ذلك في اتخاذ موقف يتناقض مع سياساتها المعلنة عندما ترى أن اتخاذ مثل هذا الموقف سوف يعود عليها بالنفع. فإدارة بوش لم تتردد على سبيل المثال في اتخاذ قرار جاء مفاجئا للكثيرين عندما قررت تزويد الهند بتكنولوجيا الطاقة النووية، على الرغم من ادعاءاتها المتكررة عن الحرية والقيم. وإذا ما افترضنا أن قرار الإدارة في ذلك الشأن - وحسب التصريحات التي خرجت من مؤيدي هذا الاتفاق في واشنطن- نابع من حسابات استراتيجية غرضها في النهاية تحقيق التوازن مع الصين، فإن ما يمكننا أن نخرج به من ذلك القرار هو أن واشنطن لا تتردد في سبيل تحقيق مصالحها عن تبني سياسات تتناقض مع المبادئ المعلنة، في الوقت الذي تحرم فيه على الدول اتخاذ السياسات الكفيلة بتحقيق مصالحها. وأميركا لم لا تأبه البتة لما يمكن أن يترتب على قرارها المفاجئ من تداعيات منها أن مطالبتها للصين بالضغط على حليفتها كوريا الشمالية بالحد من أنشطتها النووية لن يكون لها ما يبررها وسوف تفتقر إلى المصداقية ومنها أن ذلك القرار سيؤثر على المحادثات التي ستجرى مع بيونج يانج خصوصا وأنه جاء قبل أيام فقط من التاريخ المحدد لاستئناف تلك المحادثات، ومنها أن هناك احتمالا كبيراً أن تقوم باكستان وهي دولة غير موقعة على معاهدة عدم الانتشار النووي بمطالبة الولايات المتحدة بالتمتع بمعاملة مماثلة لتلك التي قررت واشنطن معاملة الهند بها وهو ما سينعكس في النهاية على زيادة حدة التنافس النووي بين الجارتين اللدودتين مما يشكل تهديدا داهما لاستقرار وأمن المنطقة والعالم.
منذر زياد- بيروت