لكم عرفت النساء الفرنسيات بجرأتهن وأناقتهن الجذابة, فضلاً عن ذكائهن. وإلى تلك الصفات جميعاً, زدن عليها اليوم رغبة في الدمج والمواءمة بين العمل والأمومة. وحتى هذه اللحظة, فقد وفقن في هذا الجانب الأخير بمستوى لا يضاهى ولا تسبقهن إليه أي من النساء الأوروبيات في الدول الأخرى. كما تتمتع النساء الفرنسيات بميزة أخرى يحسدن عليها, هي قدرتهن على تناول كل ما يشتهينه من أصناف الطعام, مع الحفاظ على رشاقتهن ونحافة أجسامهن! وليست تلك هي المفارقة الوحيدة التي تميزهن عن غيرهن من الأوروبيات, خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن القارة كلها تواجه مشكلة حادة تتصل بانخفاض نسبها السكانية. والشاهد أن الأمهات الفرنسيات الآن, يضاهين أقرانهن في أيرلندا الكاثوليكية, من حيث نسب الأمومة ومعدلات المواليد. والمعلوم أن فرنسا وأيرلندا الشمالية تتساويان في معدل المواليد, وتتفوقان في ذلك على كافة دول الاتحاد الأوروبي الأخرى. ففي أيرلندا وفرنسا هناك نسبة 1.9 طفل لكل امرأة, قياساً إلى متوسط المواليد في بقية دول الاتحاد الأخرى, أي 1.4 طفل لكل امرأة, وهو رقم ينم عن انخفاض حاد في نسبة وعدد المواليد الأوروبيين. ووفقاً للمعدل الحالي, فإن من المتوقع أن تكون فرنسا الدولة الأوروبية الأعلى كثافة سكانية, بحلول منتصف القرن الحالي.
وفي الوقت ذاته تتسم فرنسا بكونها الأعلى بين كافة دول الاتحاد الأوروبي, من حيث عدد القوة العاملة النسائية فيها وعدد النساء المهنيات والمتخصصات في مختلف المجالات. وحسب الإحصاءات المعتمدة, فإن نسبة 80 في المئة من النساء الفرنسيات اللائي تتراوح أعمارهن بين 24-29 سنة هن من العاملات, بما في ذلك الأمهات منهن ممن يعتنين بأطفال دون سن الثالثة. وقياساً إلى هذا, فإن المعلوم على نطاق القارة الأوروبية, أن النساء يحافظن على وظائفهن بتفادي الإنجاب والحرمان من الطفولة والأمومة. لكن وعلى حد تعليق وملاحظة الباحث الاجتماعي الفرنسي فرانسوا دو سنجلي, فإن النساء الفرنسيات أمهات وعاملات ومهنيات في ذات الوقت. ولذلك فإن الزواج والحياة الأسرية لا تمنعهن من مواصلة نشاطهن وإنجازاتهن التعليمية والمهنية. كما تقدم النساء الفرنسيات مثالاً جذاباً لاستقلالية المرأة, يجري اقتباسه والتمثل به في الكثير من بلدان القارة اليوم.
بقي أن نقول إن هذه الاستقلالية النسائية, يسندها نظام مساعدة اجتماعية حكومي, يسمح للمرأة العاملة بإنجاب طفلها الثالث, دون أن ينجم عن ذلك انهيار مالي في ميزانية الأسرة. وكان هذا النظام قد بدأ في عقد السبعينيات من القرن الماضي, في إطار اهتمام الحكومة بتطوير قطاع الخدمات العامة في الاقتصاد الفرنسي, مع العلم بأن النساء كن المصدر الرئيسي لليد العاملة فيه. ولهذا السبب فقد جرى توسيع دور الحضانة المجانية للأطفال الصغار. وكانت هذه الدور قد أنشئت أصلاً في عام 1844, لكن وبحلول عام 1914 اتسع نطاقها وبدأت باحتضان واحد بين كل عشرة من الأطفال الفرنسيين على الأقل. كما ازداد عدد مؤسسات تعليم وتربية الأطفال فيما قبل التعليم المدرسي, إلى جانب زيادة عدد المنتجعات وأوجه السياحة المدعومة من قبل الحكومة, خلال موسم الصيف ومواسم العطلات المدرسية الشتوية. هذا ولا يزال التنافس عالياً جداً على زيادة وتحسين الخدمات المقدمة في هذه الدور والمدارس ومؤسسات التعليم ما قبل المدرسي. إلا أن التنافس ذاته, دفع الحكومة باتجاه إنشاء دور رعاية تعاونية, تولت تنظيمها وإدارتها الأسر الغنية بنفسها.
وقد تركت هذه الخطوة تأثيراتها النفسية والعملية, لكونها أضفت قدراً كبيراً من الشرعية على قرار الأمهات الشابات, بالعودة إلى وظائفهن ومهنهن. إلى ذلك أدخل النظام تسهيلات إضافية أخرى, مثل الحوافز المالية الحكومية –وهي عبارة عن علاوات عائلية تصرف لدور الرعاية التطوعية التي تنشئها مجموعة من الأمهات- وشملت الإضافات أيضاً, نظام فوائد الضرائب العائلية, التي يزداد الكثير منها زيادة كبيرة, إثر ولادة الطفل الثالث.
والنتيجة النهائية لكل هذا أن فرنسا تتفوق على أية دولة أوروبية أخرى, من ناحية تمتع العائلة الواحدة بثلاثة إلى أربعة أطفال. يذكر أن ألمانيا وسويسرا تمنحان مواطنيهما مزايا عائلية سخية. من ذلك نجد أن نسبة 77 في المئة من الأطفال السويسريين دون سن السادسة, تتولى رعايتهم دور الرعاية والحضانة الحكومية. لكن على رغم هذا السخاء, تظل الدولتان الأخيرتان, أدنى من فرنسا بكثير, من حيث عدد المواليد في العائلة الواحدة.
ومع أن معدلات الإنجاب بين الأسر المهاجرة, تظل الأعلى من غيرها في كافة المجتمعات والدول الأوروبية, قياساً إلى المواطنين الأصليين, إلا أن الحالة الفرنسية تظل متفردة حتى في هذا الجانب, إذ يلاحظ أن زيادة عدد المواليد وتضخم الأسرة, إنما يحدثان على نحو ملحوظ بين الأسر الفرنسية الأصلية, سواء كانت مهنية عاملة, أم بين أسر الطبقات الفرنسية الوسطى العريقة.
كما يلاحظ أيضاً, أن عدد المواليد خارج مؤسسة الزواج,