ما من شك أن قضية العفو عن عناصر "جيش لحد" التي يثيرها البرلمان اللبناني هذه الأيام، ستكون لها تأثيراتها العكسية الكبيرة فيما يتعلق بوحدة الرأي العام اللبناني، ومن ثم فإن الإصرار عليها من قبل بعض القوى وأشخاص المرحلة الحالية في لبنان، أمر يثير الحيرة والدهشة والعجب.
لقد كوّن لحد وعدد من القادة اللبنانيين جيشاً عميلاً قاتل أكثر من عشرين عاماً إلى جانب القوات الإسرائيلية التي غزت لبنان، وفعلت ما فعلت من تقتيل وتدمير واجتياح وتهجير وإهانة للكرامة الوطنية اللبنانية، وأصبح اسمه رمزاً في جميع أنحاء العالم للخيانة والعمالة والارتزاق، ثم يأتي اليوم من ينادون بالعفو عنه، وربما يأتي غداً في استمرار للوقاحة نفسها، من ينادي بتكريمه كبطل وطني تقام له التماثيل والنصب!
لكن لابد أن نفهم الدعوة إلى إصدار عفو عن العملاء الذين اختاروا الفرار من لعنات اللبنانيين إلى العيش في الدولة العبرية، كعملاء متقاعدين، في انتظار المناخ العام المرتبط أولاً بصعود نخبة من السياسيين، بعضهم عرف بقدرته على تغيير الولاءات والمواقف، وبعضهم الآخر عرف بعدائه لكل توجه وطني حر، وبمواقفه التي لا تخفي انحيازها لإسرائيل، والاثنان معاً يجدان سندهما القوي في تصاعد التدخل الأميركي والفرنسي في الشأن اللبناني الداخلي. وهنا لا يخفى الرابط بين طرح العفو عن العملاء وبين إثارة قضية سلاح المقاومة اللبنانية التي طردت الغزو الإسرائيلي وعملاءه من جنوب لبنان، وليس ذلك التزامن صدفة، ولكنه يشير إلى عنصرين أحدهما يكمل الآخر في نهج هو ذاته من حيث عداؤه للبنان. ولعمري إنه أمر خارج العقل أن يتم العمل على تهيئة الأسباب لإدانة المقاومة وتجريدها من سلاحها، بينما يجري التمهيد لدمج العملاء ورد الاعتبار إليهم! لقد تخلصت الجزائر من "الحركيين" الذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي ولا زالوا منبوذين بعد نصف قرن على رحيل فرنسا! لكن بعد أقل من خمس سنوات على رحيل اللحديين، نجد اليوم في لبنان من يتكلم باسم سفارات أجنبية في بيروت، ويطالب بعودة لحد وجيشه العميل!.
حسن طاهر - بيروت