لقد فوجئ العديد من الأشخاص، الذين لم يكونوا مرتاحين في السابق للنبرة الأيديولوجية لسياسة بوش الخارجية، بقراره الأخير بتزويد الهند بتكنولوجيا الطاقة النووية. ويردد، بكثير من الحماس، مؤيدو هذا الاتفاق أنه نابع من حسابات استراتيجية وليس من مفاهيم مجردة كـ"الحرية" و"القيم". كما يؤكدون على أن تزويد الهند بالتكنولوجيا النووية من شأنه أن يحدث توازناً للقوى مع الصين. وقد يبدو ذلك صحيحا لو لم يؤدِ نقص تجربة إدارة بوش في إجراء الحسابات الاستراتيجية غير الأيديولوجية إلى إساءة التصرف في المفاوضات ملحقا الضرر بواحدة من أهم الاتفاقيات وأكثرها خدمة للمصالح الأميركية والمتمثلة في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وقد تجلى سوء تصرف الإدارة الأميركية من خلال خطأين اثنين. يتجسد الأول في إعلان الإدارة عن تلك الاتفاقية قبل أيام فقط من المحادثات السداسية مع كوريا الشمالية حول مصير ترسانتها النووية. فقد دأبت الولايات المتحدة طيلة السنوات الماضية على إقناع الصين بأن على حليفتها كوريا الشمالية أن تخضع للعقوبات بسبب انتهاكها لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. والمفارقة أن إعلان إدارة الرئيس بوش بعدم تعرض حليفتنا الهند لأية عقوبة بسبب رفضها الانضمام إلى المعاهدة جاء قبل أيام فقط من استئناف المحادثات مع كوريا الشمالية حول برنامجها النووي. ومن الواضح أن مثل تلك الخطوة التي أقدمت عليها الولايات المتحدة لن تساعد على تأمين التعاون الصيني في دفع كوريا الشمالية إلى التخلي عن أسلحتها النووية. أما الخطأ الثاني لإدارة بوش فيتمثل في إعلانها عن الاتفاقية قبل تأمين الموافقة الضرورية من الكونجرس. وفي هذا الصدد جاء الرد من أعضاء الكونجرس غير مشجع بالمرة حيث سبق وأن صادقت لجنة الطاقة في مجلس النواب الأميركي على إجراء يعتبر تصدير الولايات المتحدة للتكنولوجيا النووية إلى الهند أمراً غير مشروع. وبالرغم من المناقشات المحتدمة التي من المتوقع أن تجري تحت قبة الكونجرس حول الاتفاقية، إلا أن ذلك لن يؤدي إلى إعادة القوة إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي فقدت ثقلها عندما تم تجاوزها في المرة الأولى من قبل إدارة الرئيس بوش. ولأننا لن نستطيع جني الفوائد الاستراتيجية من هند قوية دون مصادقة الكونجرس على الاتفاقية، فإن الخوف الآن من أن نضطر إلى دفع ثمن عقد تلك الاتفاقية دون التمكن من جني ثمارها.
والأكثر خطأ من كل ذلك هو الاعتقاد السائد لدى الإدارة الأميركية أن عقد اتفاقية مع الهند من شأنه أن يخدم مصالحنا الاستراتيجية على نحو أفضل مما تفعله معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. فقد حرصت الإدارة الأميركية طيلة الخمس سنوات الأخيرة على إظهار عدم اكتراثها بالمعاهدة، حيث كشفت في شهر مايو الماضي عن ازدرائها للمعاهدة بعدما أرسلت موظفا صغيرا من وزارة الخارجية ليمثلها في المؤتمر الذي عقد لمراجعة بعض بنودها. كما أنها قامت في السنة الماضية بنسف اقتراح مهم لتعديل المعاهدة كان يقضي بحظر إنتاج اليورانيوم والبلوتونيوم الموجهين إلى صناعة الأسلحة النووية. والجدير بالذكر أن المعاهدة التي تأسست على مبدأ بسيط لكنه فعال يقضي بتعهد الدول النووية بتقديم التكنولوجيا النووية السلمية إلى الدول الأخرى مقابل تخليها عن السعي لحيازة الأسلحة النووية قدم خدمات جليلة إلى الولايات المتحدة وذلك منذ التوقيع عليها عام 1970. وعندما أصبحت المعاهدة سارية المفعول كان العالم يضم خمس دول نووية، وكان المتوقع أن يرتفع عددها ليصبح 25 دولة مع نهاية القرن الماضي، لكن وبفضل المعاهدة لم يزد عدد الدول النووية في العالم سنة 2005 عن تسع دول.
وإذا ما وافق الكونجرس على السماح لإدارة بوش بمساعدة الهند على بناء محطات للطاقة النووية على أساس أنها حليفتنا، فما الذي سيمنع الصين من تقديم نفس الدعم إلى حلفائها؟ هذا ولن تمر إلا أيام حتى تطالب باكستان، وهي دولة غير موقعة على معاهدة عدم الانتشار، بالتمتع بنفس المعاملة الخاصة التي عوملت بها الهند.
لورنس كورب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شغل منصب مساعد وزير الدفاع في إدارة ريغان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيتر أودجن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مركوز "أميركان بروجرس"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلس تايمز وواشنطن بوست"