لدى زيارته للرئيس بوش في شهر يونيو المنصرم, عمد ثابو امبيكي رئيس جنوب إفريقيا, إلى إخراس أي صوت ينادي بمساهمة غير إفريقية في إرسال جنود إلى إقليم دارفور السوداني, لوقف عمليات الإبادة الجماعية الجارية هناك. وعلى حد قول امبيكي "فإن من الأهمية بمكان, أن تتصدى القارة إلى هذه النزاعات بنفسها, وفي إطار حدودها كقارة" وأضاف قائلاً "بما في تلك النزاعات إقليم دارفور. فنحن لم نطلب من أحد خارج القارة, أن ينشر قواته في هذا الإقليم. إنها مسؤولية إفريقية محضة, وإننا لقادرون عليها". عندها كان واضحاً أن امبيكي, إنما كان يعكس أصداء رغبة الحكومات الإفريقية في رسم آفاق مستقبلها, وفي ترتيب الفوضى الإقليمية التي صنعتها بنفسها. وكان بعض ذلك الدافع, الاعتزاز القومي, والرغبة في الاعتماد على الذات. غير أن ذلك لا يخفي احتمالاً آخر, يتمثل في المماحكة وعدم الاعتراف بحقيقة أن الاتحاد الإفريقي الناشئ حديثاً, لم يطور بعد القدرة العسكرية الضاربة التي يتطلع إليها. كما ليس مستبعداً أن يكون وراء تلك التصريحات, خوف من إغضاب الحكومة السودانية, فيما لو وافق الاتحاد الإفريقي على أي تدخل أجنبي غربي. وأخيراً نصل إلى ما أسرّ لي به أحد الدبلوماسيين الأفارقة, من أن قادة القارة أضحوا ينظرون إلى النوايا الأميركية بعين الريبة والحذر, في أعقاب الحرب الأخيرة على العراق, وما تكشف على إثرها من فضائح وممارسات, ليس أقلها فضائح سجن أبوغريب. ضمن ذلك الشك, يساور القادة الأفارقة قلق إزاء مدى قدرة الدول الغربية -وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية- في التعامل مع الشعوب والمجتمعات المسلمة. وأياً كانت الدوافع, فقد كفى الاتحاد الإفريقي الدول الغربية المترددة أصلاً, هم إرسال قواتها وجنودها إلى إقليم دارفور. ولا شك أن الولايات المتحدة هي الأكثر سعادة بموقف الاتحاد الإفريقي هذا.
غير أن خطورة ذلك الموقف بدأت تتكشف الآن. فخلال مؤتمر صحفي مشترك, عقد مؤخراً مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس, أعلن نظيرها السنغالي شيخ تيجاني جاديو أن الوضع الراهن في دارفور, غير مقبول البتة. أما رايس من جانبها, فقد صرحت قائلة قبل ذلك المؤتمر بقليل "لقد أبلينا بلاءً حسناً, وتمكنا من تفادي جانب من المأساة التي جرى التنبؤ بها سلفاً"! إلا أن نظيرها السنغالي, صرح بما يثير ضيق رايس وتململها بقوله "عزيزتي الوزيرة... إن عليك أن تنظري إلى الوقائع كما هي ملموسة على الأرض. فتلك المليشيات القبلية المسلحة, لا تزال في عنفوان نشاطها, ولا تزال تقتل الناس وتحرق القرى وتغتصب النساء". ولم يقف وزير الخارجية السنغالي عند ذلك الحد, بل مضى خطوة أبعد في تبديد الأسطورة, التي حرص على صنعها وتكريسها الاتحاد الإفريقي بمباركة الغرب. وتتلخص هذه الأسطورة –كما سبق ذكرها آنفاً- في قدرة الاتحاد الإفريقي وحده, ودون تدخل من أحد, على التصدي للمأساة الجارية في إقليم دارفور, ووضع حد لعمليات الإبادة الجماعية, باعتبارها مشكلة إفريقية بحتة!
وكان قد جرى تضمين السنغال في قائمة الدول الإفريقية المطالبة بإرسال قواتها إلى الإقليم, استناداً على السجل الطويل للسنغال في مهام حفظ الأمن والسلام الدولية. غير أن وزير خارجيتها اعترف قائلاً "نحن نبدي عدم رضانا على طلب الاتحاد الإفريقي من المجتمع الدولي, ترك هذه المأساة للاتحاد الإفريقي وحده, باعتبار أن ذلك سيكون حلاً إفريقياً لمشكلة إفريقية خاصة". واستطرد جاديو قائلاً: "والآن فإن على مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي, والولايات المتحدة الأميركية, أن يضعوا جميعاً جهودهم يداً في يد, في سبيل التوصل إلى وسيلة يضعون بها حداً لمعاناة أهالي دارفور. إن علينا جميعاً أن نفعل شيئاً ما".
هذا وتشير بعض التقديرات, إلى أن حملات الإبادة الجماعية الجارية في الإقليم, حصدت سلفاً أرواح نحو 400 ألف مواطن حتى الآن. إلى ذلك فقد جرى تهجير ما يقارب المليوني مواطن آخرين من ديارهم وقراهم. والآن فإن كثيراً جداً من هؤلاء يعيشون في معسكرات مؤقتة, ويعجزون عن زراعة الأرض والعودة إلى القرى التي تم حرقها. وما من جهة تتحمل مسؤولية هذه الإبادة الجماعية, سوى حكومة السودان ومليشيات "الجنجويد" التي دربتها ومدتها بالسلاح. وعلى الرغم من أن معدل القتل والإبادة قد انخفض نسبياً خلال الأشهر القليلة الماضية, إلا أن هناك قرى لا تزال تحرق, في حين تواصل حكومة الخرطوم مساندتها للمليشيات التي تحصد أرواح المدنيين الأبرياء, لا سيما النساء منهم. وكما أكدت رايس نفسها عقب زيارتها الأخيرة لإفريقيا, "فإن الذي شهده إقليم دارفور, لا يمكن وصفه إلا بكونه إبادة جماعية, وإنها لكذلك الآن".
وربما لن يمر وقت طويل حتى يتمكن الاتحاد الإفريقي, من تطوير القدرة العسكرية التي تؤهله لفض نزاعاته بنفسه, وإيجاد حل إفريقي لمآسيه. غير أن علينا أن نميز تمييزاً دقيقاً وحازماً بين النزاعات, وجرائم الإبادة الجماعية. فهذه الأخيرة هي جرائم ضد الإنسانية بأسرها,