في مقاله المنشور بعنوان "تعريف جديد لمعنى الجهاد" لم يضف الكاتب والمحلل السياسي الأميركي ديفيد بروكس, جديداً إلى مفهوم الجهاد والجهاديين, بما في ذلك قوله "إن الجهاديين ما هم إلا نتاج المجتمع الحديث, شأنهم في ذلك شأن العديد من حركات التمرد, التي خرجت من رحم المجتمعات المعاصرة". والكارثة في المقال إنه ليس تحليلاً ولا تعليقاً صحفياً عن ظاهرة "الجهاد", التي قصد بها الكاتب الإرهاب وطابقها به, إنما هو وحسب مادته وعنوانه, مقال يقع في باب دراسة علم المصطلح وأصوله. وبذلك فهو مقال علمي أكاديمي بالدرجة الأولى, كما يفترض له أن يكون. ولما كان الأمر كذلك, فإن من الواجب القول إن المفاهيم والمصطلحات, لا تدرس إلا في سياق تاريخها وتطورها اللغوي, وتتبع ما تعنيه من دلالات ومفاهيم من عصر إلى آخر.
فهل فعل الكاتب ذلك؟ على النقيض تماماً, فقد أهمل ديفيد بروكس هذا الجانب, وكأن ميلاد مصطلح "الجهاد" قد بدأ بظاهرة "البنلادنية" وعمليات وتفجيرات تنظيم القاعدة وأبومصعب الزرقاوي وغيرهما! بل أهمل الكاتب قبل ذلك, واجباً علمياً مهماً, يتلخص في ضرورة التمييز الدقيق بين مفهوم "الجهاد" في سياقه التاريخي المحدد في نصوص القرآن والحديث, وظاهرة "البنلادنية" التي تمارس الإرهاب الديني والفكري باسم الجهاد والإسلام, والإسلام بريء منها براءة الذئب من دم يوسف. وفي مقالة جعلت موضوعاً لها تعريف مصطلح "الجهاد", لا نجد إشارة واحدة إلى معجم أو قاموس يعرف الكلمة ويستقصي تاريخها وتطورها المعجمي! والغريب أن الكاتب احتفى بفكرة اكتشاف علاقة الجماعات
"الجهادية" التي تحدث عنها, بالمجتمعات المعاصرة وبالحداثة الغربية, ولسان حاله يقول كما صاح أرخميدس: "لقد وجدتها ... لقد وجدتها" وهو يكشف عن سر قانون الطفو لأول مرة! وعلى رغم ما ذهب إليه الكاتب من نفي لوجود تناقض بين الحداثة وأصولية ظاهرة "البنلادنية" إلا أنه تناقض قائم لا تنفيه المغالطات المنهجية الملتوية, على رغم صحة القول بعلاقة الظاهرة بالحداثة والحضارة الغربية. وتكون دراسة المصطلح آفة, حين لا تقوم هذه الدراسة على معرفة عميقة بالتاريخ الاجتماعي اللغوي للمصطلح, وبالبيئة النفسية الفكرية التي نشأ فيها. وتلك هي آفة التعريف الجديد للجهادية, على نحو ما قرأناه في مقالة ديفيد بروكس.
أحمد الحسن صالح-أم درمان