في السادس من أغسطس 1966 تولى المغفور له - بإذن الله - الشيخ زايد حكم إمارة أبوظبي وزعامة قبيلة بني ياس نزولاً عند رغبة الأسرة وشيوخ القبائل خلفاً لأخيه الشيخ شخبوط، ليشهد التاريخ مولد زعيم جاء من الزمن الماضي، زمن أخلاق الفرسان وإنكار الذات والتضحية في سبيل رفعة الأوطان والعدالة الاجتماعية، إنه من زمن زعماء الإنسانية الذين اتسموا بالحكمة والرؤية الثاقبة، إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولتكون أفعالهم شاهدة لهم ومحافظة على وجودهم أبد الدهر.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم في هذه الذكرى: هل كان الشيخ زايد يعلم بأنه زعيم جاء من الزمن الجميل ليحقق أحلام الأجيال في العيش الكريم تحت ظلال وطن ينعم بكل ما تحمله الحضارة من معان وقيم؟ هل كان يؤمن ببصيرته الثاقبة ورؤيته النافذة بالمستقبل والحال الذي ستكون عليه دولة الإمارات العربية المتحدة مما دفعه للإيمان بقدرته على تحقيق المستحيل؟ إن من يعرف تاريخ الشيخ زايد وسماته وصفاته وأخلاقه يستشعر مدى الكاريزما التي يتمتع بها وقدراته على الإنجاز، فقد استطاع أن يحقق المستحيل على مدى 20 عاماً قضاها في العين ممثلاً لحاكم أبوظبي.
لقد حفر الشيخ زايد لنفسه في صخر التاريخ الإنساني مكانة لن تمحى، تحمل في طياتها دروساً وعبراً يجب أن يستفيد منها الجميع حكاماً ومحكومين. وحديث اليوم يتعرض للمعادلة التي قادت الشيخ زايد الى هذه المكانة، أي الوصفة السحرية التي فتحت له القلوب والعقول ودفعت الجميع إلى الإيمان بصدق هدفه، وبعد نظره، فأقدمت على تنفيذ استراتيجية بعيدة المدى.
من أهم ما كان يتسم به الشيخ زايد بساطته وعفويته. فكان حديثه يأسر مستمعيه، ويستطيع أن يحدث الجميع كلاً على قدر سنه ومستواه وخبرته. فالخطاب عنده وسيلة للإقناع وتبادل المشورة، ولا يستبد بموقفه أو يتمسك برأيه، ولكن عند اتخاذه القرار لا يتراجع عن تنفيذه مهما كانت الصعاب وتعاظمت العقبات، فالمصلحة العامة هي الفيصل والحكم، وهي الوسيلة والهدف.
لقد كان الشيخ زايد يؤمن إيماناً كاملاً بالاستثمار في البشر، ويشعر أن الإنسان يستطيع أن يواجه المستحيل إذا تسلح بالعلم والأخلاق، فالعلم يوفر له إدراك التحديات ومن ثم وضع الأسلوب العلمي لمواجهتها، والأخلاق تمنحه الأمانة والشرف والصبر والثقة وإنكار الذات وبذل كل ما يستطيع لصالح وطنه وأهله. وكانت الإنسانية على إطلاقها هي مسرح الجهد الحقيقي للشيخ زايد، من الفلبين شرقاً إلى كوسوفا غرباً، ومن اليمن جنوباً إلى لبنان شمالاً. فقد كان يشعر بمسؤوليته تجاه معاناة البشرية، وعلى قناعة تامة بأن مد يد المساعدة والدعم هما الوسيلة المثلى لتحقيق السلام والأمن الدوليين.
لقد دفعته فطرته النقية إلى فهم حقيقة الثروة المادية والمعنوية، حيث قرر استخدامها لصنع المستقبل على الأرض نفسها وفي ظل الظروف نفسها التي أجمع الخبراء والمتخصصون -على تنوعهم - صعوبة أن يكون لها أي مستقبل. ولكنه صاغ رؤيته ووقف يخط بيده على الرمال آماله وطموحاته في صنع المستقبل. ووضع استراتيجية للبناء تحقق رؤيته ليدهش الجميع بقوة الإرادة وصلابة الإصرار، ويؤكد أن ما رآه لم يستطع غيره أن يراه.
عندما وقف الشيخ زايد على أول بناية شامخة في أبوظبي، اغرورقت عيناه بالدمع وهو يرى المستحيل يتحقق على أرض الإمارات، لا لشيء سوى لأن إيمانه بالله لم يتزعزع، وأن إخلاصه لشعبه ووطنه قد أثمر، وأن النقلة الحضارية التي كان يتطلع إليها قد بدأت، والانطلاق نحو المستقبل لن يعرف المستحيل، فلا تراجع ولا استسلام.
وأعتقد أن المعادلة التي ظلت تحكم سياسة الشيخ زايد طوال حكمه، هي أن الأهداف السامية والعمل لصالح رفاهية ومصلحة الشعوب إذا اجتمعت مع دقة التخطيط وإرادة التنفيذ يتحقق المستحيل، وأن الحاكم إذا أعطى المثل والقدوة لمواطنيه لن يتخلف عن الصف أحد. لذلك لم تكن دلالة مشاركته بيده في حفر الأفلاج في العين عام 1946 إلا البداية العملية لخلق زعيم لا ينتظر المعجزات بل يتقدم الصفوف ليعطي المثل والقدوة، ويدفع الآخرين ليحذوا حذوه.
إنه الوالد الحازم الذي يربي شعبه على اقتحام الصعاب، والصديق عند الضيق الذي يبادر بمد يد العون قبل أن يطلب منه دون تردد، والحاكم العادل الذي يقف في وجه الظلم ويرد الحقوق إلى أصحابها، ويعفو عند المقدرة، وهو الأمر الذي أدهش المراقبين. فهذا الرجل الذي عانى في صباه فقد أبيه، وواجه الدنيا ومصاعب العيش فيها بصحبة والدته وأخوته الصغار، رحمهم الله، كيف يكون سوياً في تصرفاته وعادلاً في أحكامه، وحكيماً في سلوكه؟.
لقد التحم الشيخ زايد مع مواطنيه يشاركهم همومهم وأحزانهم وأفراحهم. يشهد كفاحهم وجهدهم، ويعمل بكل جد على رفع المعاناة عن كاهلهم، فقد وهب حياته لشعبه ووطنه، وكان شعاره الدائم "الوسطية" في كل شيء، ولا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، وأن الأعمال الكبيرة تحتاج لرجال كبار، فأحسن اختيار مساعديه ونوابه وحاشيته، وألغى من قاموس حياته الحقد والحسد والفساد والإفساد.