مع توقف انعقاد الكونجرس بسبب عطلة أغسطس, استغل الرئيس بوش الفرصة, لتعيين جون بولتون سفيراً للولايات المتحدة الأميركية, لدى الأمم المتحدة. وعلى الرغم من قانونية هذه الخطوة, إلا أنها تقصر مدة بقاء بولتون في هذه الوظيفة, بحلول شهر يناير من عام 2007 وهي المدة المحددة لانتهاء دورة الكونجرس رقم 109. أما التعثر الذي واجهه تعيين بولتون من قبل مجلس الشيوخ, فمرده إلى تحفظات بعض الديمقراطيين – وأحد الجمهوريين على الأقل- على سجل بولتون بصفته إدارياً سابقاً, وآرائه وتصريحاته السابقة حول جدوى ومصداقية الأمم المتحدة نفسها كمؤسسة, إلى جانب التحفظات على السلوك الشخصي لبولتون كإداري سابق. والمعروف عن بولتون أنه أحد المتشددين المحافظين الجدد بإدارة الرئيس بوش, وأن له صلات وثيقة بنائب الرئيس ديك تشيني, وأنه حين كان يعمل وكيلاً لوزارة الخارجية في مجال السيطرة على الأسلحة, كان كثير النزاع مع زملائه بالوزارة, بما في ذلك نزاعه في مرة واحدة على الأقل, مع وزير الخارجية السابق كولن باول, ونائبه ريتشارد أرميتاج.
وعليه فإن التعثر الذي أحاط بتعيينه في المنصب المذكور, يثير عدداً من التساؤلات حول مدى كفاءته وفاعليته في مقر الأمم المتحدة بنيويورك, مع الأخذ في الاعتبار بعدم موافقة مجلس الشيوخ عليه. يذكر أن هذا التعيين جاء في لحظة حرجة, تثار فيها جملة من القضايا الكبيرة –بدءا بإصلاح الأمم المتحدة نفسها, وصولاً إلى أزمة البرامج النووية الإيرانية, التي بدأت نذرها تلوح في الأفق الآن- ولهذه الأسباب جميعاً, فإنه لمن الأهمية بمكان للولايات المتحدة, أن تحشد حلفاءها وأصدقاءها داخل المنظمة الدولية, وتضمن وقوفهم إلى جانبها. والسؤال الأهم هو ما إذا كان بولتون الرجل المناسب للمكان المناسب, مع معرفتنا بما يستطيع أن يقدمه هناك؟
من جانبي أقول إن تعيين بولتون ربما كان يفترض فيه أن يكون أقل إثارة للجدل, خلافاً لما يظنه البعض. ابتداءً نقول إن أداءه كسفير لبلاده في المنظمة الدولية, سيخضع للرقابة المكثفة من قبل كل من الصحافة وزملائه الدبلوماسيين والمسؤولين في واشنطن – بما في ذلك البيت الأبيض والخارجية الأميركية - على نحو غير مسبوق. وبما أن بولتون قد وعد بالالتزام بتطبيق السياسات التي أقرها الرئيس بوش, ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس, فإن أداءه سوف يتم الحكم عليه من هذا المنظور, وسوف يتضح ما إذا كان عضواً يعول عليه بين أعضاء فريق الإدارة أم لا؟.
ثانياً, ولكي تنجح الولايات المتحدة الأميركية, في مساعيها الرامية لإصلاح الأمم المتحدة, فإن على بولتون أن يحرص على توثيق علاقاته الشخصية, بالأمين العام للمنظمة الدولية كوفي عنان وطاقم إدارته. وغني عن القول إن أية منازعات أو مشاحنات بينهما في هذه المرحلة, ستكون نتائجها سلبية ومدمرة.
كما يتعين على بولتون توثيق علاقاته وصداقاته, مع مجموعات مختلفة ومتعددة من زملائه السفراء, الذين يمثلون مئة وتسعين دولة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. وفي هذا ما يختبر مهاراته وقدراته, سواء كانت على صعيد الدبلوماسية السرية, أم المعلنة والعامة. وفيما لو أحيل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي, فإن الاختبار المهني الأول الذي سيواجهه بولتون, هو العمل عن كثب مع زملائه الدبلوماسيين الأوروبيين –سيما مع البريطانيين والفرنسيين والألمان- طالما تعد هذه الدول الثلاث, الممثلة للاتحاد الأوروبي في المفاوضات النووية مع طهران. ليس ذلك فحسب, بل وفي حال اقتناع مجلس الأمن الدولي, بضرورة اتخاذ عقوبات ضد إيران, فسوف يكون لزاماً على أميركا وأوروبا أن تنطلقا من الموقف ذاته, ومن خريطة الطريق ذاتها, وأن تستخدما اللغة ذاتها, في رسم وتحديد أهدافهما من تلك العقوبات. كما سيكون من واجبه استشارة وعقد اتفاقات مع سفيري كل من روسيا والصين, اللتين في وسعهما ممارسة حق النقض "الفيتو" ضد أي توصيات بمعاقبة إيران من قبل مجلس الأمن الدولي.