في مقالين سابقين تعرضت للغز الإرهاب الذي يهدد البشرية بالفناء إن هو استمر على وتيرته المتزايدة، ومحاولة منا لفك رموز هذا اللغز بين العديد من الوقائع المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالإرهاب. ففي المقال الأول كانت القرائن تربط بين الإسلام والإرهاب، وفي ختام المقال تبين لنا عدم مصداقية هذا العامل, كما بينت ذلك الدراسات الغربية لا الإسلامية. في اللغز الثاني كان المتهم هو البعد السياسي العربي والذي يتعامل بصفة عامة مع العرب, كما لو أنهم ليس لهم كيان في غالب الأوقات. وكان حل الغرب هو نشر الديمقراطية. لكن الواقع قال لنا إن الديمقراطية ليست هي الحل الأوحد للموضوع، وكي تكتمل الصورة إليكم هذا البعد الذي يعقد الموضوع.
أشارت أصابع الاتهام إلى الفقر المدقع في العالم الإسلامي. فمع تزايد وتيرة البطالة في عالمنا العربي تزايد توجه الإنسان إلى الروح كمخرج لهذه النكسة الاقتصادية التي نمر بها فكان انتصارا للإسلام على أنه الحل. هذا ما تم استثماره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من قبل الجماعات الإسلامية المنتشرة في العالم الإسلامي. فهي كما يقال, أنصارها من الفقراء المسلمين في الوطن الكبير, وخير دليل على ذلك تزايد أنصارها في الدول العربية التي تزيد فيها البطالة, كجمهورية مصر العربية, التي تحتضن الجمهور الأكبر لهذه الجماعات. ونفس الصورة متطابقة في الجزائر وغيرها من الدول العربية التي تعاني من أزمات اقتصادية تأججت معها المشاعر الإسلامية وتحولت إلى الأصولية الإسلامية الجهادية كما أصبحت تعرف اليوم.
البعد الاجتماعي الآخر الذي أسهم في تعقد هذا اللغز, هو موضوع الجهل الذي أضاف للبطالة نكهة أخرى. فقد بينت الإحصاءات العالمية ارتفاع نسبة الأمية في العالم الإسلامي والعربي. هذا الجهل وتلك الأمية جعلا أفرادها يقعون في مصيدة الجماعات الإسلامية التي حاولت أن توفر لهم نوعاً من التعليم الديني الممزوج بالكراهية للناس الآخرين, أي غير المسلمين. فالجاهل هو بلا شك لا يستخدم تفكيره بصورة حرة مما جعل الناس أداة بسيطة لتنفيذ تلك الجرائم.
دعونا ننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى تزيد من تعقد الموضوع. لو بحثنا في تاريخ من يقود حركة القاعدة اليوم, لرأينا ضعف القرائن السابقة. فهو كما يعلم الجميع ترك وراءه الدنيا بملايينها كي ينخرط في حركة تحرير أفغانستان، ولو رأينا إلى من هم حوله لعلمنا أنهم من جيل المدارس, وليسوا من الأميين. فجلهم نال حظا من التعليم الجامعي بل والعالي في حالات كثيرة. وعندما تم استعراض أسماء من نفذ أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة رأيناهم من دول الخليج الغنية والتي لا تمثل البطالة بعد ذلك الهاجس أو الخطر عندها. كما أن أحداث لندن الأخيرة تفند مثل هذه الحيثيات. فبعض مرتكبيها من الجيل الثاني من المهاجرين الذين لم ينالوا من فقر المشرق العربي والإسلامي أمرا. فقد هاجر أهلهم من فقر العالم الإسلامي إلى ثروات أوروبا الحرة وتعلموا في مدارسها جنبا إلى جنب مع أبناء أوروبا الحرة، وعاشوا بالضبط كما يعيش الشباب من حولهم.
إن المتأمل في البعد الاجتماعي لأزمة الإرهاب في العالم اليوم يعيش فعلا في حيرة من أمره. فلو برأنا الإسلام كفكر من التهمة بعد أن رفعنا عنه أصابع الاتهام، وتمت تبرئة البعد السياسي أو دور أنظمة الحكم في العالم العربي من التهمة, ونحن في هذا المقال لم نر رابطا قويا بين الفقر والبطالة والجهل والأمية والعمليات الإرهابية في العالم اليوم... فكيف سنحل اللغز؟. هذا ما سنحاول التعرض له في المقال القادم.