طغا الحزن على ما سواه في السودان جنوباً وشمالاً بفقد النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب وزعيم وقائد الحركة الشعبية لتحرير السودان الدكتور جون قرنق الذي فارق الحياة إثر تحطم طائرة كان يستقلها بين أوغندا وجنوب السودان. كان ذلك مساء السبت الماضي ولكن الخبر لم يعلن رسمياً إلا صباح الاثنين الأول من أغسطس الحالي.
إن اختفاء قرنق من الساحة السياسية في هذه المرحلة من تاريخ السودان يشكل فقداً لا يقدر بثمن وفراغاً يمكن أن تكون له آثار بالغة الضرر لا سيما فيما يتعلق بالوحدة بين الشمال والجنوب التي كان قرنق عرابها الأول وداعيها المتفرد منذ أن دشن حركته العسكرية, وأعلن الحرب على السلطة المركزية وقال إنه يدعو ويعمل لسودان جديد يسود فيه الحكم الديمقراطي وتوزع ثروته بالعدل على كل السودانيين لا سيما المهمشين منهم في الجنوب والشمال والشرق والغرب. وإيمانا بهذه الدعوة وثقة في أن الرجل كان يعني ما يقول فإن ملايين السودانيين في الشمال التفوا حوله واعتبروه الحصان الرابح في تحول حقيقي في السودان ينهي الحكم الأحادي ويزيل سلطة الأقلية على الأغلبية ويفتح الطريق نحو نهضة حقيقية, كانت الحلم منذ أن نال الوطن استقلاله من الحكم الأجنبي عام 1956.
إننا نعلم يقيناً أن الفقيد الراحل كان ركيزة الدعوة للوحدة بين الشمال والجنوب وبطلها بين قيادات الحركة الشعبية. ونعلم أن أغلبية أهل الجنوب أقرب إلى الانفصال, ولهذا فإنه كان يبني لقضية الوحدة خطوة بعد خطوة. ومهما يكن الرأي في خليفته الجنرال سلفا كير فإن ما أعلمه يقينا هو أنه يتعاطف مع الانفصاليين أكثر من ميله للوحدة. ولكن لعله بعد أن يصبح نائباً أول لرئيس الجمهورية خلفاً للدكتور قرنق, فإن إيمانه قد يتغير.
فلننتظر لنرى كيف تمضي الأمور بعد رحيل هذا القائد الذي كان كثير من المراقبين يعده زعيم السودان بأسره شمالا وجنوباً. ورغم أن الحزن والأسى والألم كان هو الشعور السائد يوم إعلان مقتله, فإن جماعات من الجنوبيين المقيمين في مدن الشمال وغيرهم انطلقوا في العاصمة السودانية وعدد آخر من المدن نهار الاثنين يخربون كل ما يقع في أيديهم ويعتدون على كل من يلقاهم من ذوي البشرة الفاتحة, عرباً شماليين أو غيرهم, فقتلوا وجرحوا وأحرقوا ونهبوا واستباحوا وسط مدينة الخرطوم ليومين على التوالي. ثم تدخلت قوات الشرطة والجيش فأعادت الهدوء إلى ما كان عليه واعتقلت العشرات ثم أعلنت حالة عدم التجول في العاصمة المثلثة من الساعة السادسة مساء إلى مثلها في الصباح التالي.
تلك الفوضى ليس لها ما يبررها إذ كان واضحا أنه لا علاقة لأية جهة في الشمال بمصرع قرنق، بل إن الشماليين قد يكونون أكثر إحساساً بالمحنة وكبر المصيبة. إن هذا الانفلات قد يعني أو يعكس كرهاً عميقاً للشماليين بلا فرز وقد يكون نتيجة مؤامرة وتحريض من مجهولين, وقد يكون لا هذا ولا ذاك وليس إلا غضبة, من غضبات المسحوقين من أشباه المعدمين ضد من نالوا قدراً من نعم الحياة الدنيا. وكيفما كان الحال فإن ما جرى في الخرطوم يعكس وضعاً بالغ الخطر ينذر بما هو أخطر منه ما لم يعِ الحاكمون الدرس, ويجندوا كل جهد ممكن لإزالة هذا الغبن والعمل على درء انعكاساته خصوصاً إذا فكر بعض الشماليين في الانتقام.