لكم ارتحت وتنفست الصعداء حين علمت بإجازة الكونجرس أخيراً لقانون خاص بالطاقة. وبما أننا اجتزنا هذه العقبة القانونية, فربما يتجه اهتمام الكونجرس, إلى حل مشكلة الطاقة التي نواجهها. ولكن معذرة, إن كنت متشائماً بعض الشيء, وقلت إن قانوناً لا يلزم شركات صناعة السيارات عندنا, بإجراء تحسين ملموس على معايير الأميال التي تقطعها السيارات عن الجالون الواحد من الوقود, فلن يكون قانوناً يؤخذ على محمل الجد. وبما أن الأمر كذلك فليس من عجب أن وصف خبير الطاقة "جول لوفت", القانون الجديد بأنه "خلاصة كل الضغوط والطبخات الممارسة في مجال الطاقة". ففي حين احتوى القانون المذكور على نصوص ومواد لا بأس بها, إلا أنه اكتنز بالكثير من اللحم والشحم, صوناً لمصالح شركات الطاقة -علماً بأنها الجهة الأقل حاجة لهذه المكاسب والمصالح- إلى جانب افتقاره إلى استراتيجية لها القدرة على التعامل مع متطلبات العالم الجديد. وهل نضيف شيئاً إن قلنا إن العالم قد تغير كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية؟
أولى مظاهر هذا التغيير, تسطيح الاقتصاد العالمي, وولوج ملايين البشر من الصين مروراً بالهند وروسيا إلى الحلبة الاقتصادية, بعد أن ظلوا خارجها لعدة حقب وعقود. والملاحظ أن الكل يطمح إلى الحصول على بيت ومأوى وسيارة وفرن "مايكرويف" وغيرها من وسائل الحياة السهلة الحديثة. كما يلاحظ أن تحول هذه الملايين من كثافة سكانية ضعيفة الاستهلاك للطاقة, إلى عالية الاستهلاك, إنما يلازمه تحول باتجاه آخر, هو كونها منافساً منتظماً لنا في ارتفاع الطلب على الطاقة ومعدل استهلاكها.
الوجه الثاني للتغيير العالمي أننا في حرب يشنها الإسلاميون الفاشيون ضد المجتمعات الحرة المفتوحة. والملاحظ أن هؤلاء الفاشيين, يترعرعون في المساجد والمنظمات والمؤسسات الخيرية والمدارس التي تنشر نسخة عدوانية غير متسامحة من الإسلام, بينما تنهض بتمويلهم نظم سياسية تعود إلى القرون الوسطى, وتستمد بقاءها من عائدات النفط وأموال المشترين.
ولكن الملاحظ أننا نمول كلا الجانبين في حربنا المعلنة على الإرهاب: جنودنا الأميركيين والفاشيين الإرهابيين على حد سواء! ولذلك فها أنا أقول إن فشل الرئيس بوش في توجيه نداء للمواطنين الأميركيين غداة هجمات الحادي عشر من سبتمبر, بقصد الحصول على موافقتهم على فرض ضرائب إضافية على طاقة الجازولين -بهدف الحد من معدلات استهلاكنا القومي لطاقة النفط- إنما هو إهدار لأثمن فرصة لا تعوض في التاريخ الأميركي كله. وعلى إثر صدور قانون الطاقة الجديد, فهل نأمل في أن يبدأ القانون بالتعويض عن هذه الخسارة؟ كلا للأسف. فالقانون الجديد لم يمس مساساً يذكر, الشركات المصنعة للسيارات, مع العلم بأنها استخدمت معظم ما أحرز من تقدم تكنولوجي خلال العقدين الأخيرين, لجعل سياراتنا أكبر وأسرع, بدلاً من تحسين أهليتها وكفاءتها في استهلاك الوقود. بل رفض الكونجرس حتى فكرة معايرة الإطارات بمعدل استهلاك الطاقة, وهي المعايرة التي كان من شأنها تشجيع المستهلكين وسائقي السيارات, على شراء الإطارات الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
وإن كان ذلك هو الموقف في الكونجرس, فماذا عن البيت الأبيض؟ لقد حال البيت الأبيض من جانبه, دون تبني تعديل قانوني, ربما طالب الرئيس بالبحث عن سبل لتخفيض استهلاك النفط إلى معدل مليون برميل يومياً بحلول عام 2015. وقد جاء الرفض تأسيساً على حجة أن التعديل المذكور, ربما تطلب بدوره فرض اقتصاديات وقود محسنة على الشركات المصنعة للسيارات! ومهما يكن, فإن الذي لا شك فيه هو أننا بحاجة ماسة وعاجلة إلى بلورة استراتيجية قومية للطاقة. كما أننا بحاجة إلى إعادة ترتيب طريقة عملنا, بحيث يصبح ممكناً لغالبية المواطنين أداء عملهم من المنازل, بدلاً من التنقل من بيوتهم إلى مواقع العمل يومياً. كما يتطلب ذلك إعادة تصميم سياراتنا ووسائل نقلنا العام. ضمن ذلك لابد من تبني مفهوم أوسع لما نعنيه بالوقود والطاقة بوجه عام. وتندرج ضمن هذه الحاجة, ضرورة تبني سياسات ضريبية جديدة, قادرة على تشجيع وإلزام شركات السيارات الأميركية بابتكار التقنيات المتوافقة مع حلول الطاقة الخضراء. ومما لا شك فيه أن هذا الاتجاه الأخير ماض إلى أن يكون صناعة عالمية عملاقة -إثر دخول كل من الصين والهند باعتبارهما دولتين تتسمان بارتفاع معدلات الاستهلاك في مجال الطاقة- ولذلك فإن علينا أن نحتفظ بزمام المبادرة والقيادة.
بقي أن نقول إنه تتوفر لدينا سلفاً الكثير من التقنيات الحديثة, التي من شأنها إحداث التغيير المنشود, بدءاً من المحركات التي تعمل بالطاقة المهجنة, وصولاً إلى تلك التي تعمل بطاقة الإيثانول. وكل الذي نفتقر إليه هو فرض رسم ضريبي قدره دولاران على جالون الجازولين الواحد, بغية إرغام المستهلكين وشركات السيارات في ديترويت, على تغيير سلوكيات استهلاك الطاقة, وتبني الحلول العصرية الحديثة. يذكر أن النائب إدوارد ماركي, كان قد لاحظ أن اقتصاد الطاقة قد بلغ أوجه في عام 1968, وذلك بقطع الس