يوما وراء الآخر، يتحول العراق الى مستنقع للقتل والفوضى بصورة لم يكن أحد يتوقعها من قبل، وللأسف، لا يبدو أي ضوء في نهاية النفق المظلم الذي دخلته بلاد الرافدين في ظل استمرار أعمال العنف والتدمير بمعدلاتها المتزايدة·
لكن ثمة سبيلا للخروج من هذه الدائرة الجهنمية، وبدايته هي ضرورة حدوث انفراجة كبيرة في العملية السياسية· وليس أفضل من إقرار الدستور باعتباره وثيقة توافق وتراض وتصالح بين مختلف طوائف الشعب، كنقطة تبشر حقا بانفراجة لبدء صفحة جديدة في تاريخ البلاد·
وهذا هو أشد ما يحتاجه العراق في هذه اللحظة، بل ربما ليس أنسب منه، كنقطة انطلاق للعبور الى مرحلة أكثر أمانا واستقرارا·
لقد ضاقت حلقات الأزمة واستحكمت وتعقدت خيوطها وتشابكت وصارت الأزمة كما لو كانت متاهة أو لغزا تعب الجميع أو عجزوا عن حله·
إلا أن بداية الخيط هو أن يدرك جميع القادة والزعماء العراقيين ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وأن يتذكروا أنهم لا يمثلون فقط مصالحهم الضيقة أو مصالح الجماعات الطائفية والدينية التي ينحدرون منها سنة أو شيعة أو اكرادا أو حتى غير ذلك··· عليهم أن يتذكروا جيدا أنهم إنما يمثلون العراق، تاريخا وحضارة ومستقبلا· وأن يثقوا في أن استقرار بلدهم العريق هذا مرهون بقدرتهم على مواجهة التحدي الماثل أمامهم الآن بتوحيد كلمتهم ومواقفهم·
ويستلزم ذلك أول ما يستلزم تنحية المطامع والمطامح والمصالح الصغيرة جانبا وأن يتفهم الجميع أن هذه اللحظة ليست هي أبدا التوقيت المناسب لتسوية حسابات تاريخية بعضها عمره أكثر من ألف عام·
وكل ذلك قد يتجسد في خطوة الدستور، فهو كعقد اجتماعي لا يمكن بطبيعته أن يكون وثيقة تدمير وتفتيت وتشرذم، لأنه في الأصل تعاقد بين مجموعة من البشر لهم مصالح مشتركة، يقرون فيها ويعترفون ضمنا أو صراحة برغبتهم في العيش الآمن المشترك على أرض واحدة، مع كامل الاحترام بالطبع لأفكار وقيم ومعتقدات ومصالح جميع أبناء هذا الوطن·
وبالتالي ووفقا لهذا التعريف الإجرائي البحت، فإنه لا يمكن لأحد أن يستخدم الدستور لتكريس وضع جديد يختفي فيه العراق من الخريطة بصورته التقليدية التاريخية لتحل مكانه كيانات منفصلة تربطها خيوط واهية· فهذا ضد منطق الأشياء كما أنه ضد مصالح العراق·
وبصراحة شديدة إن الذين يصرون على مثل هذا الأفكار، وتلك الأساليب إنما هم يشجعون بذلك الإرهابيين على أن يواصلوا لعبتهم المدمرة ضد العراق وشعبه·