لقد بات واضحا اليوم أننا صرنا جميعا مهددون بخطر الإرهاب، فهو يحيط بنا من كل جانب. ومهما كانت قناعتنا مختلفة فهو لن يتوانى عن ضربنا دون تمييز. ولكن ما أن يسقط أحدنا أو أحد أحبائنا المقربين في عملية إرهابية مروعة حتى يدب الاختلاف بيننا حول أنجع السبل لمواجهة هذا الخطر الذي أصبح يداهمنا منذ وقت طويل.
وسرعان ما يطفر إلى أذهاننا ذلك السؤال التقليدي الذي كثيرا ما يتردد اليوم على ألسنة المسؤولين والخبراء الغربيين حيث يطرح على الصيغة التالية: هل يهاجمنا الإرهابيون لما نمثله من قيم مختلفة أم ردا على السياسات الغربية في العالم؟ وبالرغم من أنه لا يمكن إنكار الكراهية الفعلية التي يكنها الإرهابيون تجاه المجتمعات الديمقراطية الغربية مما يدفعهم إلى شن الهجمات ضدها لما تجسده من قيم الحرية والعدالة، إلا أن ذلك لا يفسر سبب انتشار ظاهرة الإرهاب بشكل لافت اليوم أكثر من أي وقت آخر في الماضي، وبالتالي لا يمكن أبدا إغفال السياسات الخارجية التي ينتهجها الغرب ودورها المهم في إذكاء نار الإرهاب. والحقيقة أنه حتى لو لم تؤدِ الحرب على العراق إلى صعود الإرهاب بشكل مباشر، فإنها على الأقل مدته بالمبررات والذرائع اللازمة للضرب بالقسوة التي شهدناها مؤخرا. ولعل أشد ما يخشاه الناس ويؤدي إلى تعالي الأصوات المعارضة للحرب على الإرهاب هو الخوف من أن تقود إلى تأجيجه أكثر, بدلاً من إخماد فتيله كما هو معلن. وليس من الصدفة أن يصر مؤيدو تلك الحرب الضروس على أننا مستهدفون لما نمثله ويكررون هذه المقولة في كل مناسبة وهو ما يمنع التأمل في احتمال أن نكون مستهدفين لما نقوم به وليس لما نمثله.
ولقد رأينا كيف أن الرئيس بوش كثيرا ما كان يلجأ في تبرير حربه على العراق إلى نظرية تحبيذ نقل المعركة مع الإرهابيين إلى معاقلهم الحصينة في بلدانهم بدلا من أن يتحول العالم الغربي إلى ساحة لتك الحرب الطويلة. بيد أن الخطر حاليا يكمن في أن تزج بنا السياسة الأميركية، التي تدعو إلى المبادرة بمحاربة الإرهاب، في دوامة لا قرار لها, تؤدي في النهاية إلى تعزيز الإرهاب عوض القضاء عليه. ذلك أن استمرار الحرب المعلنة ضد الإرهاب بالطريقة التي تتم بها حاليا لا يعني بالضرورة انتهاءها في المستقبل المنظور، بل ربما قد يطول أمدها ويستفحل خطرها. ومع ذلك فإن خطورة الحرب وأثرها العكسي على الإرهاب لا يعني أن نظل مكتوفي الأيدي. فمثلا عندما يتعرض منزل أحد الجيران إلى حريق فإننا لا نقف عند الخلافات التي كانت بيننا أو الانتقادات التي كنا نبديها تجاه سلوكه. كما أن مد يد العون لا يعني تبني تلك الآراء التي كنا نعتبرها في السابق مضرة بمصالحنا أو يمكنها أن تعقد الوضع أكثر. لذا فإنه لا غنى عن تعميق التعاون الأمني والقضائي وتبادل المعلومات الاستخباراتية من أجل تطويق الإرهاب ومحاربته على نحو فعال بصرف النظر عن تضارب وجهات النظر السابقة بين القوى الغربية.
ورغم تأكيدنا على ضرورة التعاون المشترك بين كافة المعنيين لمحاربة الإرهاب والتصدي له بيد واحدة، إلا أن ذلك لا يمنعنا كذلك من الإشارة إلى الفشل الواضح الذي منيت به السياسة الأميركية والبريطانية في حربها تلك، وهو ما نعتقد أنه يستحق منا وضع تلك السياسات تحت مبضع النقد. فلا شك أن الأميركيين سلكوا الطريق الخطأ في حربهم على الإرهاب، بل أكثر من ذلك أمعنوا في سياستهم حتى بعدما تبين عجزها الواضح عن تحقيق الأهداف المرجوة. فالإصرار على إعطاء الأولوية المطلقة للعمليات العسكرية لم يتمخض عنه، كما كان متوقعا، إلا المزيد من الهجمات الإرهابية هنا وهناك وتصاعد وتيرة العنف في مناطق عدة من العالم. وبالطبع كلما زادت العمليات الإرهابية كلما ارتفعت الأصوات المنادية بضرورة الرد بعنف وقسوة على من يقف وراءها عن طريق تكثيف الحملة العسكرية. وهذا بالضبط ما يشكل الدوامة التي ما فتئت تنزلق نحوها الحملة الأميركية دون أن تكون واعية تماما بذلك. فمن شأن التصعيد المتبادل للحرب من قبل الطرفين أن يدخلها في نفق لا أفق له فيصبح بالتالي الانتصار في هذه المعركة بمثابة السراب الذي ما إن نقترب منه حتى يختفي مخلفا وراءه اليأس والإحباط. وهنا تبرز مفارقة رجل الإطفاء الذي كلما حاول إخماد الحريق كلما أضرمه من جديد في عملية عبثية لا تعرف التوقف مما يستدعي التدخل لوقف تلك السياسة التي تشعل الحريق والتنبيه إلى خطئها.
وإذا كنا نريد أن نحافظ على ما نمثله وألا نغير شيئا من قيمنا، فإنه يتوجب علينا أن نهتم أكثر بما يصدر عنا من أفعال وسياسات. فبالرغم من الإعلانات المتكررة للنوايا الحسنة والتأكيد على الخطاب الرافض لصراع الحضارات، إلا أن السياسة المتبعة من قبل واشنطن ولندن مازال يُنظر إليها، حتى من خارج العالم الإسلامي، على أنها سياسة عدوانية وهو ما يسبغ على خطاب القاعدة الكثير من المصداقية. والأدهى من ذلك أن السعي إلى توظيف الأكاذيب لإقناع الرأي العام الدولي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى تآكل مصداقية الخطاب الأميركي. وبالطبع ي