دعا تقرير أعده معهد دراسات السياسة العامة في بريطانيا مؤخرا، إلى التفكير في رفع سن التقاعد الحكومي بين البريطانيين إلى 67 عاما. وهذه الدعوة وإن كانت تنطلق من مبررات محددة تخص البريطانيين وحدهم، إلا أن التقاعد المبكر الذي تسنه وتشجعه قوانين دولة الإمارات يتطلب وقفة متأنية عند مثل هذه الأرقام، خاصة وأن الإمارات أحوج من جميع دول العالم لتوظيف كامل طاقتها البشرية المواطنة، ليس على مستوى الكم والكيف، وإنما على مستوى الفرد، الذي يجب أن يستمر عطاؤه إلى أقصى ما تسمح به ظروفه الصحية والعقلية، خاصة بالنسبة إلى الكوادر المواطنة المؤهلة.
وبهذا المفهوم، فإن أنظمة التقاعد المبكر في الدولة تزيد من الخلل الذي يعانيه سوق العمل المحلي، حيث تسمح هذه الأنظمة بثغرات تدخل منها عمالة وافدة جديدة إلى الوظائف الشاغرة التي يخلفها المتقاعدون من المواطنين، كما تفقد الدوائر الحكومية في حالات التقاعد المبكر خبرات تم اكتسابها على مدى 15 سنة وأكثر من العمل والدورات التدريبية، التي أنفقت الدولة عليها مبالغ طائلة.
ويلاحظ من خلال الإحصاءات السكانية الرسمية، أن الأطفال دون الخامسة عشرة، وهي السن القانونية للدخول إلى سوق العمل، يمثلون أكثر من ربع سكان الإمارات، كما أن السكان في الفئة العمرية 15 – 24 تصل نسبتهم إلى أكثر من 15% من مجموع السكان، والأغلبية العظمى من هذه الفئة هم أيضا خارج سوق العمل من طلبة المدارس والمعاهد والجامعات. ومن هنا يلاحظ أن المجتمع الإماراتي مجتمع فتي، تمثل فيه فئات الشباب الشريحة الأكبر حجما والأكثر عطاء في المجتمع. إلا أن الانسحاب المبكر لهذه الفئة يحدث خللا متعدد الأشكال اقتصاديا واجتماعيا. فخلافا لما يحدث في العديد من الدول التي تجتهد في الاستفادة من مواردها البشرية حتى آخر لحظة من حياتهم، فإن المتقاعد في دولة الإمارات يتوقف نشاطه وعطاؤه بصفة شبه كلية بعد سن التقاعد، وغالبا ما يلجأ إلى أنشطة ثانوية لا تتناسب وخبرته الطويلة. وبالتالي فإن التقاعد المبكـر يفقد الدولة كوادر شابة ومؤهلة، حيث يلاحظ أن 67% من المتقاعديـن في سن الشباب، كما يشجع قانون المعاشات في صيغته الراهنة على التقاعد المبكر. ورغم أن القانون يشجع في المقابل عودة المتقاعدين إلى سوق العمل، فإن نسبة العائدين لا تتجاوز 20% فقط وهي نسبة متواضعة جدا، بل إنها تتم في إطار هجرة عكسية لدى المواطنين من الجهات الحكومية باتجاه القطاع الخاص. ومع ارتفاع متوسط معدل الحياة في الإمارات إلى سن الثالثة والسبعين بفضل الرعاية الصحية المقدمة من قبل الدولة، وهو من المعدلات الأعلى في العالم، فإن هيئة المعاشات تدفع للمتقاعد مبكرا، عند سن 33 عاماً على سبيل المثال، معاشا لنحو 40 عاما وتستمر في الدفع بعد وفاته للمستحقين عنه، بينما يكون هذا المتقاعد قد عمل أقل من نصف هذه الفترة!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية