في صبيحة أحد أيام الأحد من عام 1995 وبمدينة مانشستر على وجه التحديد استيقظنا على دوي انفجار هز أرجاء العمارة التي نسكنها فهرعنا جميعا إلى الشارع العام لعلنا نجد تفسيرا منطقيا لهذا الرعب والخوف والهلع المفاجئ الذي أصاب قلوبنا ونحن في غمرة النوم.
وبعد وصولنا إلى مقربة من الشارع الذي اعتدنا على عبوره إلى الجامعة وجدنا مجموعة من دوريات الشرطة البريطانية وهي تنصح الناس وتمنعهم من الذهاب إلى وسط المدينة حيث مراكز التسوق وقد صادف يوم الإجازة التي من الطبيعي أن الناس وجهتهم هناك حيث يمارسون العادة الأسبوعية في شراء الضروريات والكماليات لبقية الأيام المشغولة بالعمل المتواصل.
وعند سؤالنا أحد رجال الشرطة عن حقيقة الأمر كان الرد المباشر هو أن الجيش الجمهوري الأيرلندي كرر أعماله الإرهابية من جديد وهو ما بدأنا نعتاد عليه منذ سنوات فكل انفجار من هذا النوع نعرف مصدره لأنهم يقومون بتوصيل رسائلهم إلينا قبل الشروع في هذه الأفعال التخريبية وإن بتنا نجهل مكان وقوعها على وجه الدقة.
إن الذراع العسكرية لحزب (الشين فين) لم يفتأ لقرابة ثلاثة عقود يحاول الحصول على مبتغاه من الحقوق السياسية باستمرار في توجيه الصواريخ تلو الأخرى إلى التاج البريطاني الذي يريدون التخلص من ضغوطه عليهم بكل الطرق ولقد أصابت بعض ضرباتهم مقر الحكم في إحدى جولاته ومع ذلك فإن الصراع المحتدم لم يتوقف حتى قام الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بزيارته المشهورة إلى أيرلندا قبل احتفالات رأس السنة الميلادية وقد قام الشعب الأيرلندي باستقباله بتقديم هذا الاحتفال قبل موعده الرسمي وذلك دلالة على حلول السلام على هذه المنطقة وبدء عهد جديد من الوئام بين الشعبين.
وكان توقيت الانتخابات الأميركية في جولتها الثانية قريبة وبحاجة ماسة إلى دعم 40 مليون أميركي من أصل أيرلندي يعيشون في الولايات المتحدة الأميركية وهم يمثلون وزنا وثقلا في المعادلة التي رسمت ملامحها في تلك السنة الميلادية التي تقدمت عن موعدها لأول مرة في التاريخ السياسي وقد أدى مفعولها على أكمل وجه.
هكذا وعت الحركة السياسية للحزب الجمهوري الأيرلندي بأن الصراع المسلح لا يمكن أن يصبح الوسيلة الحاسمة للحصول على الحقوق السياسية, ومن هذا المنطلق أصدر الجناح السياسي البيان التاريخي للإعلان عن بروز عهد جديد من العمل والتخلي عن السلاح وتوديعه, والعودة إلى كافة الوسائل السلمية والدبلوماسية والقنوات السياسية بالحوار والنقاش وإيصال القناعات الفكرية لحل الإشكاليات التي توارثتها سنوات الصراع المركز على العنف المسلح. إلا أن جدواه لم يكن واضحا. فالبيان الذي صدر منذ أيام عن تخلي حزب "الشين فين" عن استخدام السلاح يجب أن يكون مصدر قوة للعالم الحر الذي يريد إيصال المزيد من الحريات إلى مختلف بقاع العالم, لأن الحرية هي التي تجعل من السلاح وسيلة لصيانتها بدل استخدامه لشطبها من قاموس الشعوب.
الشعوب الحرة هي القادرة على تحقيق المزيد من الإنجازات في حياتها السياسية دون الحاجة إلى رفع السلاح في وجه الآخرين عند أول نقطة خلاف قد تقع بين أكثر من طرف يشترك لحل بعض القضايا الشائكة في مجال العلاقات الدولية بحيث تصبح الحلول المرتجلة والآنية أقرب إلى نقاط التماس القابل للاشتعال في أي لحظة، من هنا كان استخدام السلاح بالنسبة لهذه الأوضاع حالة استثنائية لا تبنى عليها السياسات العقلانية. ولعل هذا الوداع السياسي للسلاح الأيرلندي نموذج يحتذى به أمام الحركات الإرهابية التي لا زالت تعيش في غيها ولا تمارس إلا جرائم التكبر في نفسها.