في عام 1956 تحركت الجيوش الأميركية نحو فيتنام متخذة لها في ذلك أسباباً مضللة أهمها الخوف من دخول الخطر الأحمر "الشيوعية" في جنوب شرق آسيا وحماية العالم. وبدأ التدخل الأميركي والتورط في مستنقع فيتنام, بإرسال مجموعة كبيرة من المستشارين والخبراء والمدربين والجواسيس واستخدام العملاء الفيتناميين الفاسدين في الخارج والداخل ليقوموا بتسهيل مهمة الاحتلال والمساعدة على تكريسه بكل الوسائل في هذه المعركة الاستعمارية. وأمام هذا الموقف لم يجد الشعب الفيتنامي الذي ناضل بقوة ضد الاحتلال الفرنسي والياباني, غير المقاومة والكفاح المسلح والإصرار على طرد المحتل الأميركي من بلاده, وخاض الشعب الفيتنامي بكل إصرار وعزيمة وإرادة طوال سبع سنوات معركته التاريخية وأصبحت أعمال المقاومة في كل مكان.
أخذت المقاومة تشتد يوماً بعد يوم وقاتل الفيتناميون الوطنيون الأميركيين المحتلين بضراوة, وأخذ الأميركيون تساعدهم حكومة سايجون العميلة والفرق الحليفة من الفيلبين وأستراليا ونيوزيلندا يقصفون المدن والقرى الفيتنامية بوحشية ويستخدمون النابالم والغازات السامة والقتل الجماعي وكل أنواع أسلحة الدمار الشامل, وأعمالاً تخريبية سيئة وقذرة تلصق باستمرار بالمقاومة. وأمام قوة إصرار المقاومة وتصاعدها تصاعدت الخسائر البشرية في صفوف الأميركيين حيث وصلت إلى 85 ألف قتيل. أما الخسائر المادية والمعنوية فتصاعدت ومعها أصوات المعارضة في أميركا ضد الحرب. وبدأ الشعب الأميركي يعرف حقيقة ما يجري في فيتنام, وبدأت الصحف تكتب عن المجازر الوحشية التي يرتكبها الجنود الأميركيون هناك. وأمام هذا الموقف أخذت أميركا تبحث لها عن مخرج مشرف من المأزق العسكري والسياسي الذي تورطت فيه. وبعد مفاوضات طويلة مع المقاومة قدمت المقاومة الفيتنامية في سنة 1969 مشروعاً من عشر نقاط لإقرار السلام. كانت أهم نقطة فيه انسحاب القوات الأميركية بدون شروط.
وفي الثامن من يونيو سنة 1969 أعلن الرئيس الأميركي نيكسون قرار سحب القوات الأميركية من فيتنام. ومنذ تلك اللحظة أصبح الشعب الأميركي يعيش كابوس هزيمة فيتنام حتى اليوم إلى درجة أن أطلق على هذه الهزيمة "عقدة فيتنام". وتبنى الشعب الأميركي منذ تلك اللحظة موقفاً حازماً في موضوع التدخل العسكري أو التورط فيه مرة أخرى خاصة فيما يخص استعمال القوات الأميركية في السيطرة على التغيرات السياسية في العالم الثالث. وأعلن السيناتور إدوارد كيندي في عام 1975 بكل صراحة ووضوح قائلاً: إن درس فيتنام هو أننا يجب أن ننزع عن أنفسنا الرداء الثقيل لرجل الشرطة العالمي. وقال السيناتور "آلان كرانستون": إن على الولايات المتحدة أن تصبح جاراً عالمياً مسالماً بدلاً من متدخل عالمي مقاتل. وحذر وزير الدفاع الأميركي السابق "هارولد براون" من خطورة العودة إلى التدخل العسكري لأنه سوف يؤدي عملياً إلى زيادة التهديد للأمن العالمي, وصوت الكونجرس لمنع التورط العسكري الأميركي في أنغولا وتمسك الرئيس الأميركي كارتر بهذه السياسة في فترة حكمه.
السؤال المهم هنا لماذا عادت الولايات المتحدة مرة أخرى إلى التدخل العسكري من جديد في شؤون الدول الداخلية والتورط في مستنقع العراق؟
الإجابة تبدو واضحة تماماً في كتاب "مايكل كلير"، "ما بعد عقدة فيتنام", والذي عمل مديراً لمشروع العسكرة ونزع السلاح, حيث يفسر أسباب هذه العودة بالقول إنه مع اقتراب السبعينيات من نهايتها أصبح عدد كبير من صانعي السياسة ينظرون إلى موقف عدم التدخل باعتباره قيداً غير محتمل على قوة الولايات المتحدة, في وقت يزداد فيه حجم التحديات للمصالح الأميركية في الخارج. وأصبح هؤلاء القادة الذين يمثلون قطاعات مهمة من جماعات رجال الأعمال والجماعات العسكرية والاستخباراتية يروجون لنظرية التدخل, على أساس أن عدم التدخل سوف يؤدي إلى تشجيع تحديات أكثر خطورة. وفي رأيهم أن "عقدة فيتنام" تؤدي عملياً إلى عدم الاستقرار لأنها تشجع القوى المعادية على استغلال الثغرات التي تظهر في منظومة الأمن العالمي للغرب.
ولأن هذه الفئة صممت على إحياء استراتيجية التدخل العسكري في شؤون الدول, كأداة مشروعة في السياسة الخارجية الأميركية لأهداف بعيدة المدى أهمها أنها تخدم مصالحها ومصالح إسرائيل واللوبي الصهيوني المتغلغل في سلطة القرار الأميركي, فقد شنت حملة واسعة لتحقيق هذا الهدف. هذه السياسة اليوم هي التي أدخلت أميركا في مأزق خطير في العراق أسوأ كثيراً مما واجهته أميركا في فيتنام حيث تواجه مقاومة وطنية عراقية شديدة وخسائر بشرية ومادية كبيرة في فترة زمنية أقصر مما خسرته في فيتنام. إن أصواتاً عالية في أميركا تعارض الحرب, وهنالك مؤشرات عديدة وخطيرة على زوال قوة الإمبراطورية الأميركية في العالم. فهل تصبح العراق عقدة أميركا القادمة والعلامة التاريخية البارزة في تاريخ الحروب؟.