لقد ساد الاعتقاد عقب أحداث 11 سبتمبر بأن الصراع بين الجهاديين والغرب هو في أساسه صراع بين القرون الوسطى والحداثة. فالإرهابيون كما يعتقد انبثقوا من ثقافات معزولة ومنفصلة عن أفكار ومبادئ عصور الأنوار التي ترسخت في الغرب. بالإضافة إلى أنهم حبيسو الشعور بالضياع وفقدان الهوية في عالم يؤمن بالتعددية، وضحايا الإحساس بالمهانة لما يعيشه العالم العربي من تخلف على جميع الأصعدة. فضلا عن أنهم يرزحون تحت نير أنظمة يعتريها الجمود ويعانون من آفة البطالة التي توصد في وجههم كل أمل في التمتع برغد العيش. ولأنهم يقاسون من الذل والجور فإنهم يصبون جام غضبهم على أميركا التي تجسد رمز الحداثة الغربية وذروة سناها ويفضلون القفز عن الواقع ليصبحوا شهداء ويفوزوا بالحور العين في جنات الخلد.
بيد أننا ندرك تماما أن هذه الحكاية بعيدة كل البعد عن الواقع. لقد أصبحنا نعرف الكثير عن الجهاديين بدءاً بأسامة بن لادن وحتى أولئك الشباب الأوروبيين الذين فجروا قطارات مترو لندن في الشهر الماضي. فبفضل جهود بعض المحللين مثل العميل السابق في المخابرات المركزية الأميركية مارك سيجمان الذي قام بجمع قاعدة بيانات استطعنا أن نكتشف بعض الحقائق. ولعل أبرزها أن حوالي 75% من الإرهابيين المعادين للغرب ينتمون إلى الطبقات الوسطى، كما أن 65% منهم حصلوا على تعليم جامعي. ثم إن ثلاثة أرباع هؤلاء الإرهابيين كانت لديهم وظائف مهنية، خصوصا في مجال الهندسة والعلوم. وسواء انتقلوا إلى مصر أم السعودية أم بريطانيا أم فرنسا فإنهم بعيدون تماما عن القرون الوسطى كما يقال، بل جاءوا من صفوف شريحة متعلمة تجيد عدة لغات وتتميز بالدينامكية.
وبخلاف ما يعتقد فإن الجهاديين يعتبرون أناسا عصريين بكل المقاييس نظرا لعصاميتهم واعتمادهم على أنفسهم في الارتقاء والنجاح, وهذه بالطبع خصائص يتميز بها المجتمع المعاصر ولا يعثر عليها في المجتمعات التقليدية التي تميل أكثر إلى نوع من التكافل والتعاضد. هذا بالإضافة إلى كونهم لا يكنون الكثير من الاحترام للأعراف الاجتماعية وغالبا ما يبدون تمردهم ضد السلطات وضد القيم البورجوازية لأسرهم التي تتبنى إسلاما معتدلا وتعيش حياة مريحة. وبالرغم من حياتهم المرفهة نسبيا فإن الإرهابيين تركوها في سبيل قضية طوباوية تمنحهم هوية خاصة وتضفي على حياتهم معنى. وقد وجدوا ضالتهم في نوع من الإسلام السلفي لكنه غير تقليدي بما أنه نسخة عصرية من الإسلام الأصيل. لذا رأينا كيف تخلى معتنقو ذلك الفكر عن لعبة الكريكت وكليات الطب من أجل الجهاد. وبعبارة أخرى يشكل الصراع بين الجهاديين والغرب صراعا من داخل الحداثة المعولمة. فالجهاديون ما هم إلا نتاج المجتمع الحديث شأنهم في ذلك شأن العديد من حركات التمرد التي خرجت من رحم المجتمعات المعاصرة.
وفي هذا الصدد يشير الباحث الفرنسي أوليفر روي في كتابه "الإسلام المعولم" إلى أن الجهاديين المعاصرين يشبهون إلى حد كبير الحركات اليسارية المتطرفة التي برزت في الثلاثينيات والستينيات من القرن الماضي. وقد جاءت الجهادية الجديدة لتملأ الفراغ الأيديولوجي الذي خلفته الماركسية بعد زوالها. ولاحظ الباحث الفرنسي أن الجهادية تجند نفس النوعية من الأشخاص المتعلمين والمنحدرين من عائلات مهاجرة، كما أنهم يوظفون نفس الرموز ويقدحون نفس الأعداء كالإمبريالية والرأسمالية. ويشدد الباحث الفرنسي على أن الجهاديين ما هم إلا نتاج للعولمة وأعداء لها في نفس الآن. وحسب رأيه يلجأ بعض الشبان إلى الجهاد لأنه الشيء الوحيد المتبقي لهم بعدما فقدوا صلتهم بثقافة بعينها أو بلد بعينه، ويشير ماضيهم إلى أنهم كانوا بمنأى عن السياسة قبل أن يحملوا السلاح ويتبنوا الجهاد. والهدف بالطبع هو توجيه ضربة قاصمة إلى النظام وإعطاء معنى لحياتهم. ويبدو أن العالم العربي كان دائما متلقيا جيدا للأفكار الغربية حتى لو كانت سيئة. وهذا ما نلاحظه مع الجهاديين الذين استلهموا نفس قيم التمرد والانتفاض التي سبقتهم إليها الحركات اليسارية في الغرب وحوروها في اتجاه آخر حيث نراهم يفدون إلى العراق لتفجير الأميركيين والمسلمين على حد سواء.
ومع ظهور هذا التعريف الجديد للعدو الذي لم يعد ذلك المتخلف القادم من القرون الوسطى، بدأت صورته تتسرب إلى الثقافة الشعبية في الغرب حيث بتنا نرى ألعاب الفيديو وهي تظهر شخصيات من الجهاديين على درجة من المهارة القتالية ويجيدون عدة لغات. ومع ذلك فإن تداعيات هذه النظرة الجديدة للإرهابيين مازالت قليلة التأثير على السياسة الدولية. ولعل أبرز تلك التداعيات وأكثرها أهمية هو ما يروج له حاليا عن نشر الديمقراطية في العالم العربي. ففي حين تعتبر الديمقراطية بديلا جيدا للأنظمة القمعية المنتشرة على امتداد الرقعة العربية، إلا أن تكريسها لا يعني أبدا القضاء على الإرهاب أو الحد منه. فالإرهابيون يوجدون في باريس ولندن بنفس القدر الذي نجدهم في أماكن أخرى. والنتيجة الثانية التي تبرز من خلال التعرف على حقيقة الجهاديين وتمثل بحق ن