كان وما يزال المسجد مركزاً متميزاً للإشعاع الديني والتربوي. المسجد دعامة قوية يقوم عليها المجتمع المسلم من حيث الأسس الصحيحة والصورة الجلية المتكاملة في بناء المجتمع المسلم، نظراً لما يتمتع به من دور ريادي كبير ومهم في صقل الهوية للشخصية المسلمة. فالإسلام قد جعل من هذا المكان الطاهر المقدس ساحة مثلى للتربية والقدوة الطيبة والأسوة الحسنة في المجتمع، مما كان له الدور الكبير في صقل وتشكيل شخصية وهوية الفرد المسلم، خاصة في الفترة الأولى من العمر أي منذ الطفولة.
المسجد كان له فضل كبير في ظهور عدد كثير من عظماء القادة المسلمين ونبوغ مواهب تمثلت في علماء مسلمين أجلاء أثروا الساحة الإسلامية بروائع ما جادت به قريحتهم وعقولهم من بحوث وكتب دينية وثقافية وعلمية خالدة, والتي يشهد على عظم شأنها العدو قبل الصديق، وهي التي ما تزال حتى يومنا هذا تعتبر من المراجع الرئيسية في الجامعات والمعاهد والكليات، ليس على مستوانا الإسلامي، فحسب وإنما على مستوى العالم بأسره. لا يقتصر دور المسجد في المجتمع على الصلاة المكتوبة، بقدر ما هو مكان لنهل مختلف العلوم والدراسات. اليوم، خاصة ونحن نعيش وسط هذا الزحام الهائل من الغزو الثقافي والفكري الصادر من الإعلام الغربي. لقد أصبح من الواجب علينا العودة مرة أخرى لباحة المسجد، كي نعيد ما فقدناه من مجد وعز ضائع أمام هذا الطوفان الجارف للعلوم والثقافات الغربية التي غزت عقولنا العربية، والتي للأسف شوهت صورة الفرد المسلم، وأعطت عنه صورة مغايرة تماماً عما هو كائن وواقع في حياة المسلم بالصورة الحقيقية.
للمسجد أدوار كثيرة لعل أهمها التكافل الاجتماعي، وهي سمة قد تفرد بها المسجد، وإن كانت هذه الخاصية قد تلاشت وغابت بعض الشيء في أيامنا هذه، نتيجة للفجوة الكبيرة الحاصلة بين الفرد المسلم والمساجد.
إلا أنه ومما يثلج الصدور فعلاً أن هناك فئات كبيرة من الشباب المسلم قد أخذت تعود لساحات المساجد، وتعي ما يعنيه هذا المكان من معنى حقيقي في تنشئة الفرد المسلم على الأخلاق والمعاني السامية، والتي تحوي كل ما ينشده الإنسان المسلم منذ صغره وحتى كبره من علم وحياء وأدب ومعرفة وأخلاق، فتقوي لديه الوازع الديني وتجعله يترعرع في أرض خصبة بكر لم يدنسها أي فكر معوج أو مريض. ما أحوجنا اليوم ونحن نعيش وسط هذه المرحلة الصعبة في واقعنا الإسلامي إلى أن نعود مرة أخرى لباحات المساجد، ونغوص في أعماقها الطاهرة، حفاظاً على هويتنا الإسلامية.
حمدان محمد - كلباء