منذ أسبوعين طرحنا سؤالا يشغل بال المصريين حول حقيقة وجود صراع في الحزب الوطني الحاكم الذي يتزعمه الرئيس حسني مبارك حول عملية الإصلاح الديمقراطي. وفي الأسبوع الماضي تطورت الحركة السياسية من جانب الرئيس حسني مبارك على نحو تغيرت فيه صيغة السؤال, ليصبح التساؤل هو عن احتمال أن يكون الصراع قد حسم لصالح الحرس الجديد المتمثل في أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم, والتي ترفع شعار "الفكر الجديد والتطوير الديمقراطي" مقابل التيار التقليدي القديم الذي سيطر على الحزب بفكره الشمولي الموروث عن السنوات الأولى لثورة يوليو 1952.
لقد أظهر التيار التقليدي أو الحرس القديم مقاومة واضحة للفكر التجديدي الذي أطلقه داخل الحزب نجل الرئيس جمال مبارك منذ وجه نقده للأداء الحزبي, وحذر من نتائج ذلك الأداء على مستقبل الحزب.
وعندما طرح الرئيس حسني مبارك مبادرته لتعديل المادة 76 من الدستور في فبراير الماضي, وتغيير طريقة اختيار رئيس الجمهورية من الاستفتاء إلى الانتخاب الحر المباشر, اعتبر كثير من رجال السياسة في مصر أن الرئيس مبارك قد تبنى فكر الحرس الجديد الداعي للانفتاح الديمقراطي. غير أن صورة القانون التي تترجم التعديل الدستوري جاءت بصورة تقيد حق الترشيح للمستقلين بدرجة كبيرة, مما حمل الكثيرين على الاعتقاد أن التيار التقليدي مازال يتحكم في عنق الزجاجة ويضبط الإيقاع السياسي.
في الأسبوع الماضي وعلى عكس اتجاه التيار التقليدي المتحفظ علناً على إجراء أي تعديلات جديدة في الدستور, فاجأ الرئيس حسني مبارك الجميع في خطابه الذي أعلن فيه ترشحه للمنافسة على منصب الرئاسة, بطرح الخطوط العريضة لبرنامجه الانتخابي, وهي خطوط جاءت في الجانب السياسي, تعبيرا عن أفكار الحرس الجديد فيما يتعلق بتعديلات جوهرية في الدستور.
فقد أعلن الرئيس حسني مبارك أنه ينوي إذا ما نجح في الانتخابات الرئاسية, أن يعدل مزيدا من المواد الدستورية, ليعطي البرلمان دوراً أكبر في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية التي يترأسها شاغل منصب رئيس الجمهورية. وكذلك أعلن أنه في حال نجاحه, ينوي تقليص سلطات الرئيس وتوسيع سلطات مجلس الوزراء الذي ينص الدستور الحالي على أنه خاضع لسلطة رئيس الجمهورية. كما وعد أيضاً, بتعيين وزرائه ورئيس مجلسهم من جانب رئيس الجمهورية الذي له في نفس الوقت سلطة إعفائهم من مناصبهم, كما له سلطة رئاسة جلسات مجلسهم, ووضع السياسة العامة للدولة بالاشتراك معهم.
وكذلك تهدف التعديلات التي أعلنها الرئيس حسني مبارك إلى تقليص صلاحيات الرئيس وسلطاته التي يمنحها له الدستور في وضعه الحالي في حالات الخطر الطارئ الذي يمكن أن يهدد البلاد. فضلا عن ذلك أعلن الرئيس حسني مبارك انه سيقوم بإلغاء قانون الطوارئ الذي يتعرض لنقد شديد من الحرس الجديد ومن جميع أحزاب المعارضة المصرية على حد سواء, وأنه سيحل محله قانوناً لمكافحة الإرهاب لا تسري أحكامه إلا في هذا المجال فقط، على عكس قانون الطوارئ الذي تشكو أحزاب المعارضة من تطبيقه على اجتماعاتها مما يقيد حركتها السياسية في الأوساط الشعبية.
إذن جاء برنامج الرئيس حسني مبارك الانتخابي مشتقاً من الفكر التجديدي في الحزب الوطني, وهو ما طرح السؤال في صيغته الجديدة القائلة: هل فضل الرئيس مبارك أخيراً الانحياز إلى فكر الإصلاح الذي يتبلور في أمانة السياسات بزعامة نجله, أم أن انحياز الرئيس سيكون مجرد تبن للمبادئ العامة على أن تترك الصياغة النهائية للتعديلات وللقوانين التي ترجمها للحرس القديم أو التيار التقليدي كما حدث مع تعديل المادة 76؟
إن الشهور المقبلة كفيلة بالإجابة عن كافة هذه الأسئلة.