"نظرية المؤامرة" حاضرة معنا دائماً، وجاهزة عند أي حدث، فهي تريحنا من عناء التفكير، وتقدم لنا تفسيرات سهلة لا نحتاج معها إلى إجهاد عقولنا المرفهة التي نحرص على توفير أقصى سبل الراحة لها. فإذا حدث لنا أي مكروه، أشار بعضنا بأصابع الاتهام فوراً نحو أعدائنا في إسرائيل وأميركا ودول أخرى في الغرب. وإذا ارتكب نفر يُحسبون علينا جريمة إرهابية هنا أو هناك، وأعلنوا مسؤوليتهم عنها باعتبارها عملاً مجيداً من أعمال "الجهاد" تطوع بعضنا بتبرئتهم وجعلهم ضحايا قوى شريرة تريد إلصاق التهمة بهم.
وقد أقامت "نظرية المؤامرة" عندنا طول الشهر الماضي بالرغم من الطقس الملتهب والرطوبة الخانقة، وقدم أصحابها تفسيراتهم الفورية لتفجيرات لندن وشرم الشيخ، وجاء تفسير ما حدث في لندن امتداداً للنهج الذي اتبعه أنصار هذه النظرية في قراءة هجمات سبتمبر 2001 في واشنطن ونيويورك وتفجيرات مارس 2004 في مدريد. ففي 11/9 اكتشف بعضنا أن المخابرات المركزية والموساد وراء الاعتداءات لإلصاقها بشبكة "القاعدة" وبالتالي خلق ذريعة لشن الحرب على العرب والمسلمين وفرض الهيمنة الأميركية تحقيقاً لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي 11/3/2004 قيل إن أجهزة استخبارات شريرة أيضاً استهدفت صب مزيد من الزيت على ما يعتبرونه حرباً ضد العرب والمسلمين، والمشهورة باسم الحرب ضد الإرهاب.
وتكرر ذلك في التفسير التآمري لتفجيرات لندن في 7/7، وعندما وقعت الموجة الثانية لهذه التفجيرات بعد أسبوعين وجد فيها أصحاب التفسير التآمري تأكيدا لموقفهم على أساس أن رد الفعل الرسمي البريطاني على التفجيرات الأولى, أحبط مدبريها المتآمرين على أمتنا لأنه لم يدفع إلى اتخاذ إجراءات حادة ضد العرب والمسلمين، فكان ضرورياً تدبير الموجة الثانية. ولم يختلف اتجاه التفسير التآمري لتفجيرات شرم الشيخ في 23 يوليو الماضي، ولكنه صار أكثر تحديدا، فموقع التفجيرات يتيح إدخال إسرائيل طرفاً مباشراً فيها واتهامها بتدبيرها لأسباب تتراوح بين ضرب السياحة في سيناء باعتبارها أحد أهم مقومات الاقتصاد المصري، والتطلع إلى إعادة احتلال سيناء.
ورغم ما بين هذين الهدفين الإسرائيليين الاقتصادي والعسكري من تفاوت هائل، مضى التفسير التآمري في اتجاهه من دون تفكير في أسئلة جوهرية يصعب إغفالها أو تجاهلها، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر, هل يستحق إضعاف الاقتصاد المصري، حتى بافتراض أن هجوم شرم الشيخ سيكون له أثر مدمر للسياحة، تورط إسرائيل في اعتداء يستحيل التيقن مسبقاً من عدد ضحاياه وجنسياتهم؟، وكيف يكون موقفها إذا أثبتت التحقيقات تورطها وتوفرت أدلة قاطعة لا تستطيع التشكيك فيها؟، وهل يُقدم صانع قرار لديه حد أدنى من الرشد السياسي على عمل يمكن أن يكلفه الكثير جداً على الصعيد الدولي لتحقيق القليل جداً إذا كان الهدف هو محاولة إضعاف الاقتصاد المصري؟
لقد نجحت إسرائيل فيما فشلت فيه القوى الاستعمارية جميعها في التاريخ الحديث، وهو إقناع قسم كبير في المجتمع الدولي بأنها راغبة في السلام، ومستعدة للانسحاب من الأراضي التي تحتلها. ولكن ممارسات بعض المنظمات الفلسطينية هي التي تعرقل الوصول إلى حل سلمي يتحقق بمقتضاه هذا الانسحاب. ومازال بعض هذه الممارسات يساعدها في تحسين صورتها على الصعيد الدولي حتى اللحظة الراهنة قبيل انسحابها من قطاع غزة.
فإذا كانت أخطاء فلسطينية يسرت لها صورة في العالم تختلف عن أي قوة استعمارية سابقة، بما في ذلك الاستعمار الاستيطاني المشابه في جنوب أفريقيا، فلماذا يخاطر صانع القرار فيها بعمل يغير هذه الصورة أو يبدلها إذا ثبت تورطها المباشر فيه؟
فهدف من نوع ضرب السياحة في سيناء لا يكفي أبداً لتدبير عمل إرهابي يؤدي ثبوت التورط فيه إلى دفع ثمن باهظ قد لا يتخيله أصحاب التفسير التآمري, ربما لأن في خلفية هذا التفسير مبالغة هائلة في تقدير قوة إسرائيل وقدراتها، بما في ذلك موقعها الحصين بين قوى الشر العالمية التي تتآمر على أمتنا وتستهدفها. فهذه القوى إذن ستحمي إسرائيل من أي ضرر قد تتعرض له إذا ثبت تورطها في عمل سافر من أعمال الإرهاب حتى إذا كان هذا الإرهاب هو الهدف الأول الذي تسعى الولايات المتحدة إلى القضاء عليه في المرحلة الراهنة.
أما الهدف الأعلى لتورط إسرائيل في عمل إرهابي في شرم الشيخ، وفق التفسير التآمري، فهو التمهيد لإعادة احتلال سيناء. فهو يثير أسئلة لا تقل أهمية بل تزيد, وتقع هذه الأسئلة في المساحة الواسعة للغاية بين تدبير عمل إرهابي في شرم الشيخ يضرب السياحة فيها, وبين احتلال سيناء مجدداً. فما هي الآثار الهائلة التي يمكن أن تترتب على تفجيرات شرم الشيخ وتمهد لإعادة احتلال سيناء؟، وهل يكفي الزعم بأن مصر غير قادرة على تأمين هذه المدينة لإقناع المجتمع الدولي بأن مواجهة الإرهاب تقتضي شن حرب على مصر؟ وهل استطاعت إسرائيل حماية تل أبيب مثلاً من عمليات مسلحة استهدفتها حتى تزعم قدرتها على حماية سيناء، بالرغم من الفرق الجوهري والمعروف بين الإرهاب والمقاومة؟