ودعت السعودية والعالم العربي أول أمس الملك فهد بن عبدالعزيز. لم تكن وفاة الملك رحمه الله مفاجئة حيث إنه عانى من مرض ألمَّ به لفترة ليست بالقصيرة. لكن هذا لا يقلل من حقيقة أن السعودية جللها الحزن، واستبد بها شعور دفين بفقد قائد ظل أحد رموز الدولة لأكثر من أربعين سنة. بل إن العالم العربي سيفقد أيضا بوفاة الملك فهد رمزا من رموز المشهد السياسي العربي ولأكثر من ربع قرن، وتحديدا منذ عام 1975. ارتبط اسم الملك فهد بأحداث وتحولات ومنعطفات كبيرة في الداخل السعودي، وعلى المستوى العربي. على المستوى المحلي ارتبط اسم الملك بخطوات وتحولات كثيرة، يشار عادة إلى أبرزها مثل الإنجازات الكبيرة في التعليم، وأن الملك فهد كان عام 1953 أول وزير للتعليم في تاريخ السعودية. ثم هناك تنفيذ أضخم توسعة في التاريخ لكل من المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة. لكن قبل ذلك وبعده تميزت فترة حكم الملك فهد بأنها شهدت أضخم وأسرع عملية تحديث اقتصادية واجتماعية في تاريخ السعودية. لا يمكن في هذه المساحة تعداد المؤشرات الدالة على هذه العملية، لكن أبرزها الانقلاب الكبير الذي حصل للتركيبة الاجتماعية للمجتمع السعودي. أخذت الأسرة الصغيرة تحل بشكل تدريجي لكن واضح محل الأسرة الكبيرة، نواة أساسية لبنية المجتمع. ثم بروز ما يمكن تسميتها بالطبقة المتوسطة باعتبارها التشكيل الاجتماعي المهيمن على المجتمع السعودي بشكل لم يعرفه من قبل.
الأهم في هذا الإطار، وفي سياق عملية التحديث كان أخطر إنجازات الملك الراحل، وهو النظام الأساسي للحكم. فبإصداره لهذا النظام عام 1412هجرية يكون الملك فهد هو أول من دشن البدايات الأولى لـ"الحظة الدستورية" في التاريخ السياسي السعودي. وبصدور هذا النظام تكون الدولة السعودية قد خطت الخطوة الأولى نحو الانتقال من مرحلة التقاليد الشفهية المتوارثة للحكم إلى مرحلة الدستور المكتوب.
عربيا ارتبط إسم الملك فهد بأهم الأحداث والتطورات التي وسمت تاريخ المنطقة منذ 1975. ففي عام 1976 كان الأمير فهد، ولي العهد حينها، مهندس مؤتمر الرياض السداسي الذي صادق على دخول القوات العربية للفصل بين فرقاء الحرب الأهلية اللبنانية. وكذلك أضفى ذلك المؤتمر الشرعية العربية على العلاقات الخاصة بين لبنان وسوريا. شهد عام 1982 مبادرة فهد لحل الصراع العربي الإسرائيلي على أساس الأرض مقابل السلام، وهي التي شكلت الخلفية التاريخية لمبادرة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز عام 2002، والتي أصبحت مبادرة عربية.
في مجال السياسة النفطية، وتحديدا عام 1986 استبدل الملك فهد الاستراتيجية النفطية التي تقوم على أولوية الحصة في السوق، بأخرى تعتمد سياسة نفطية ترتكز على مستوى سعر النفط بشكل أساسي. وعام 1989 استضاف الملك فهد مؤتمر الطائف الذي وضع أسس إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية وتمخضت عنه "وثيقة الطائف".
بعد كل ذلك وغيره، سيبقى اسم الملك فهد مرتبطا بأهم وأخطر قرار على المستويين السعودي والعربي، وذلك هو قرار الحرب عام 1990، وهو القرار الذي على أساسه تم استدعاء القوات الأجنبية، وخاصة القوات الأميركية، لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي. تكمن أهمية واستراتيجية هذا القرار في أنه وضع حداً لمغامرات الرئيس العراقي السابق صدام حسين في فرض هيمنته على المنطقة بقوة السلاح والتهديد. بل إن هذه الأهمية تتجاوز ذلك في أن القرار وضع العرب أمام مفصل تاريخي يفرض الاختيار بين مقتضيات ما قبل وما بعد هذا التاريخ. لأن تاريخ المنطقة بعد 1990 أضحى بشكل جلي مختلفاً عما كان عليه قبله. ومن هنا تأتي أهمية خطوة الملك في أنه استجاب بشكل سريع لطبيعة اللحظة، وما فرضته من خيارات. وقد اختار مواجهة التحدي حفاظا على استقرار المملكة، واستقرار المنطقة، وحفاظا على نظام التوازنات فيها، وهو النظام الذي استقرت عليه منذ وقت بعيد. قرار الملك الراحل بمواجهة نظام كان وقتها يعتبر حليفاً للسعودية هو تعبير واضح وجلي عن التزام راسخ باستراتيجية المملكة.
كل ذلك يشير إلى أن أبرز ملامح حكم الملك فهد اكتسبت تميزها من طبيعة المرحلة التي شاءت الأقدار أن يكون هو أحد المساهمين في صياغتها محليا وعربيا. لكنها كانت متميزة أيضا من خلال شخصية الملك، وطبيعة الدور الذي اضطلع به، في السياق السياسي الذي كان يتحرك فيه. هنا لابد من الإشارة إلى شيء جسده الملك في سلوكه السياسي أثناء قيادته لدفة الحكم في المملكة. وهو في ذلك استمرار لتقليد بقي سمة سياسية بارزة للحكم السعودي. أقصد بذلك تبني سياسة معتدلة تقوم على واقعية، بمعنى أنها لا تصطدم مع الواقع إلا في حالات لا تترك خيارا آخر، واعتماد آلية الدبلوماسية الهادئة، مع التزام ثابت بالهدف الاستراتيجي للدولة.
هذه سياسة غير تصادمية، أو سياسة النفس الطويل، مع تركيز مستمر على الهدف النهائي. دائما هناك إمكانية لحل ما، إما نهائي أو حل وسط. مثال ذلك ما حصل لمبادرة الملك فهد في قمة فاس عام 1981. حيث واجهت اعتراضات