فارس آخر من فرسان الجزيرة العربية يترجل ويرحل تاركا خلفه إنجازات كبيرة ومهام كثيرة. يوم الاثنين الماضي غيب الموت خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز. رحل ليلحق بمن سبقوه من رجال هذه الجزيرة الذين كتبوا أسماءهم بحروف من نور وذهبوا بعدما حققوه من نجاحات وإنجازات تذكر بهم إلى الأبد.
منذ سبعة أشهر رحل عنا الأب المؤسس والقائد الكبير الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله وكان ذلك يوما حزينا على كل إماراتي وشاركنا في حزننا أشقاؤنا من أبناء مجلس التعاون الخليجي, وإخواننا العرب وأصدقاؤنا الأجانب في كل مكان. وما كان الحزن على زايد رحمه الله إلا حزنا على رجل قدم لشعبه كل خير وكسب احترام العالم بأسره... واليوم لا يسعنا إلا أن نعترف بالخسارة الكبيرة برحيل الملك فهد هذا الرجل الذي يعتبر المؤسس الثاني للمملكة العربية السعودية وهو صاحب الفضل في النهضة العلمية والعمرانية التي تشهدها المملكة اليوم... وهو صاحب قرارات الإصلاح الداخلي ونظام الحكم والمناطق وتطوير المجتمع السعودي والاستثمار في التعليم وتشجيع القطاع الخاص.
هناك عبارة مشهورة قالها أحدهم وهي: "يجب أن لا تتركوا الدنيا إلا أحسن مما وجدتموها". وهذا ما فعله الملك فهد رحمه الله. فبعد أن تولى مقاليد الحكم بدأ من حيث ما انتهى من سبقوه وبنى على ما بنوه, ولم يترك الدنيا إلا أحسن مما وجدها. فلا يختلف اثنان على الإنجازات الضخمة التي تحققت في عهده رحمه الله وأبرزها توسعة وتطوير الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة بتكلفة اقتربت من 13 مليار ريال سعودي.
على المستوى الخليجي كان الملك فهد رحمه الله داعما كبيرا لمشروع مجلس التعاون الخليجي, وبقي حتى آخر يوم مؤمنا بهذا العمل المشترك وكان مساهما في كل النجاحات التي تحققت. كما كان موقف الملك فهد رحمه الله يوم غزو صدام للكويت موقفا لا يمكن أن ينساه الكويتيون ولا ينساه العالم.
على المستوى العربي يشهد له الجميع بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية, واحترامه لرغبة الشعب الفلسطيني ووقوفه إلى جانب هذه القضية حتى آخر لحظة من حياته. ولبنان وحربه الأهلية الطاحنة, كان لاتفاق الطائف فيها, الفضل في وضع أسس وقواعد إنهاء تلك الحرب. أما على الصعيد الدولي فلقد نجح الملك طوال فترة حكمه في تحويل علاقة المملكة العربية السعودية بأغلب دول العالم إلى علاقة متميزة وإيجابية, وكسب احترام القادة والدول وأقام علاقات صداقة قوية مع العديد من عواصم العالم.
ولا ينسى العالم المساعدات الإنسانية والخيرية التي قدمتها المملكة العربية السعودية في عهد الفهد رحمه الله, وكم من أسرة نجت من الجوع والموت واستطاعت أن تواصل الحياة بما يصلها من أهل الخير, وكم دولة وجدت في المملكة الصديق الجيد في وقت الأزمات والمحن.
قال أحدهم "الموت هو القارة المجهولة التي يذهب إليها المكتشفون ولا يعودن منها مرة أخرى". ليست المشكلة في أن يذهب الإنسان إلى قارة أخرى ليكتشفها, ولكن الأهم أن يكون قد اكتشف القارة التي عاش عليها طوال حياته وعرف أن "وحدها الحياة التي يحياها الإنسان من أجل الآخرين هي حياة ذات قيمة" كما قال اينشتاين. كثر يرحلون عن قارتهم قبل أن يكتشفوا أجمل ما فيها, وهو أن يقدم الإنسان شيئا للآخرين وأن يترك بصمة له هنا وهناك, ويحقق أعمالاً يستفيد منها من يأتي من بعده, وهذا ما فعله الملك فهد رحمه الله. ففي كل مدينة وحارة وسوق ومسجد في المملكة هناك ما يذكر السعوديين بملكهم الذي حاول أن يقدم لهم ما يستطيع تقديمه. وذلك على الرغم من أن سنوات حكم الفهد رحمه الله, كانت صعبة على الصعيد الإقليمي. فقد مرت المنطقة بعدة حروب بدأت بالحرب العراقية- الإيرانية, مرورا بغزو صدام حسين للعراق وانتهاء بالحرب الأميركية- البريطانية على العراق.
رحل الملك فهد ولكن المملكة العربية السعودية ما تزال موجودة وفي أيدٍ أمينة. فهي بين يدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي نحن واثقون من أنه سيقود سفينة البناء والإنجاز في المملكة بنفس الروح العربية والإسلامية والإنسانية التي عرفناها عنه وهو ولي أمين للعهد. فقد أثبت الملك عبدالله خلال سنوات مرض الملك فهد وتوليه لمهام العمل أنه على قدر المسؤولية, وأكد للعالم أنه قائد عربي من النوع النادر الذي يستحق كل احترام وتقدير وكثير من المواقف والأحداث الدولية أكدت حكمته وبصيرته...
الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي نال ثقة الأسرة الحاكمة في السعودية بعد وفاة الملك فهد, وتمت مبايعته مباشرة ليكون ملكا للمملكة العربية السعودية هو فارس آخر من فرسان الجزيرة العربية ورجل من رجالات الخليج العربي الذين يعول عليهم الشعب الخليجي بشكل عام والشعب السعودي بشكل خاص الشيء الكثير.
بلا شك أن المملكة العربية السعودية مقبلة على مرحلة جديدة من التغيير ربما بدأتها منذ أشهر ولكنها قد تسير فيها في الأيام المقبلة بشكل أسرع أو بشكل مختلف. وبلا شك أن الملك عبدالله بن عبدالعز