جاء القرار، المهم، القاضي بتشكيل مجلس إدارة "مؤسسة الإمارات" - والذي تم تناوله في مقال تم نشره يوم الأربعاء الماضي- في وقت تستعد فيه الدولة للتعامل مع ومعالجة الكثير من القضايا المحلية التي تحتاج إلى حس وطني يدرك قيمة مخاطر التأخير والتأجيل في حلها ويراعي المبادرات التي يتبناها المجتمع من أجل تطوير ودعم الجهود المبذولة في هذا المجال، خاصة أن مجالات اهتمام المؤسسة الوليدة مرتبطة بتنمية المجتمع ودعمه في مختلف المجالات التعليمية والثقافية والإنسانية والبيئة والبحث العلمي.
وحاليا، يتداول الحديث كثيراً بين مختلف الفعاليات في دولة الإمارات حول أهمية دور القطاع الخاص والشركات شبه الحكومية باعتبارهما شريكين مهمين في معالجة القضايا الاجتماعية والوطنية. وتؤكد تلك الفعاليات، التي نشطت إعلاميا مؤخرا، بأنه بات من الضروري أن يضطلع هذا القطاع المهم بدوره الاجتماعي الفاعل والعمل على المساهمة في معالجة قضايا المجتمع، التي هي جزء من قضايا الوطن، كما يحدث في الدول المتقدمة، لأن تفعيل القطاع الخاص أصبح توجها عالميا، وقد أثبت نجاحه بأنه يمكن أن يكون لاعبا رئيسيا في معالجة تلك القضايا.
فالدولة أو الحكومة مهما توافرت لها الإمكانات والقدرات المالية أو الجهود المادية، لن تستطيع تلبية احتياجات المجتمع كافة بسبب تعدد مسؤولياتها وتعقد أدوارها. وتبرز ميزة قرار إنشاء "مؤسسة الإمارات" في أنه وفر جسراً مهماً للتواصل بين العمل الحكومي ودور القطاع الخاص. فغالبا ما كانت جهود الدولة الرامية إلى إشراك القطاع الخاص تصطدم بعدم وجود الإطار المؤسسي الذي يمكن أن يقدم القطاع الخاص من خلاله مساهماته، وهي مالية في المقام الأول.
وبلا شك فقد حد هذا النقص الخططي كثيراً من دور القطاع الخاص وفاعليته، وجاءت "مؤسسة الإمارات" لتوفر الآلية اللازمة والمناسبة في أن يتحمل القطاع الخاص مسؤولياته التنموية.
وإذا كانت "مؤسسة الإمارات" قد جاءت لتسد ثغرة وتقطع الطريق أمام ادعاءات رجال الأعمال بأن هناك محاولات لتغييبهم عن تقديم مساهماتهم المالية خدمة للمجتمع، فإن أهمية ضمان استمرار تلك المساهمات طويلا، تستوجب إيجاد تشريعات مساندة لقرار تشكيل المؤسسة لكي يتم نقل المساهمات التي يقدمها رجال الأعمال, من شكلها التقليدي المرتبط بمناسبات معينة أو تلك التي تأتي كنتيجة لرد فعل, إلى شكلها المؤسسي الجديد الذي يفترض أن يتسم بالاستمرارية والدوام. وهنا يأتي دور المجلس الوطني الاتحادي، باعتباره الجهة التشريعية.
تتمثل أهمية قرار إنشاء "مؤسسة الإمارات" في أنه تأكيد جدي من أعلى المستويات بالدولة على حيوية دور القطاع الخاص في دعم القضايا الوطنية، خاصة تلك المتعلقة بمجالات مثل التعليم والبحث العلمي والثقافة وتكنولوجيا المعلومات، وهي قضايا مهمة، تحتاج إلى تكاتف وتنسيق بين القطاعين الخاص والحكومي. كما أن هذا القرار رسالة جادة لمؤسسات القطاع الخاص, والشركات شبه الحكومية بشأن ضرورة التفاعل والتناغم مع القضايا والفعاليات والأنشطة الوطنية بالدولة التي من شأنها المساهمة في إبراز مكانة دولة الإمارات في المحافل الدولية.
إن قيام "مؤسسة الإمارات" يوفر آلية جديدة مطلوبة ويفتح الباب أمام القطاع الخاص لتقديم رؤى مستقبلية أكثر عمقا وشمولية لمعالجة التحديات التي يواجهها مجتمع الإمارات.
عموما، لم يعد تفعيل القطاع الخاص نوعا من الرفاهية بل هو ضرورة تقتضيها وتفرضها، في آن واحد، استحقاقات وتحديات المرحلة ويطلبها المجتمع والوطن وتحتاجها عملية الخصخصة لنقل دور تنمية المجتمع من الدولة إلى القطاع الخاص. ولتعظيم حجم الفائدة المرجوة من قيام "مؤسسة الإمارات"، ربما يكون من الضروري للمؤسسة الوليدة أن تمد جسور التعاون مع الجامعات والمعاهد ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة في الدولة وهي جهات يمكنها طرح الأفكار والمبادرات المهمة بما يسهم بالنهاية في تعظيم دور المؤسسة الجديدة.