هناك من يخلط بين "أبوقراط" و"جالينوس"، والثاني ولد بعد الأول بخمسة قرون. و"أبو قراط" يعني باللغة اليونانية ماسك الخيل. عاش "أبوقراط" في القرن الخامس قبل الميلاد (460 ـ 380) ق.م. أما جالينوس فقد عاش في القرن الثاني بعد الميلاد (129 ـ 199 م)، ويتحدث "ابن أبي أصيبعة" الدمشقي في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" عن أبوقراط فيغطيه في 19 صفحة. وما تعلمناه في الطب عن قسم أبوقراط ليس هو من وضعه بل تلامذته، وتنسب له مجموعة من الكتب بلغت ستين. ويذكر ابن أبي أصيبعة حوالي الثلاثين منها مثل: "كتاب الأجنة" و"أوجاع النساء" و"الأمراض الحادة" و"قوانين في نفس الطبيب" و"طبيعة الإنسان" و"الغذاء" و"حانوت الطبيب", وكتاب "الكسر والجبر" و"ناموس الطب" و"الوصية", واحتفظ لنفسه بكتاب يذكر فيه خمسا وعشرين علامة دالة على الموت.
ومما يبدو من سيرته أنه عاصر سقراط ونقل عنه أفلاطون. فسقراط أعدم عام 399 قبل الميلاد حينما كان أبوقراط في عمر 41 سنة. عاش الرجل في مدينة "كوس" وطاف وتعلم ثم استقر في مدينة لاريسا، وهي مدينة أثرية اليوم في جزيرة تركية ليس فيها إلا الأطلال، فسبحان الباقي الحي. و اعتبر أبوقراط أن هناك وحدة بين الطبيعة والإنسان، فيجب النظر لكل عناصر مسببات المرض، من تغير المناخ وطبيعة الجغرافيا والفلك، وهي أمور صحيحة. فالأنفلونزا وخثرات الأوعية الدموية تشتد في البرد، وضخامة الغدة الدرقية تنمو في المناطق التي تفتقر إلى عنصر اليود في الطعام. وكان أبوقراط يرى أن الطبيب فيلسوف وبالعكس, فهو يتعامل مع الكون الأصغر. وأبوقراط هو من طور فكرة المشفى السريري، وأهم ما فعله أنه أرسى قواعد الطب المنهجي وآليات حدوث المرض بطريقة تجريبية، حتى جاء جالينوس فأعاق تقدمه بأيديولوجية سيطرت على السوق الطبية ألفي عام، حتى كسرها الطب الحديث.
ومما ينقل عنه قوله: "إن الطب أشرف الصنائع كلها" و"ينبغي لمن أراد تعلم الطب أن يكون ذا طبيعة جيدة وحرص شديد ورغبة تامة" و"ينبغي على الطبيب أن يكون مشاركا للعليل مشفقا عليه حافظاً للأسرار" و"ينبغي أن يكون محتملا للشتيمة" وهي قضية ذكرها القرآن "ليس على المريض حرج". ويصف أبوقراط لباس الطبيب: ثيابه بيضاء نقية لينة. وينقل "ابن جلجل" من أخلاقه السمحة أن "أفليمون" كان يدعي الفراسة من رؤية صورة المرء, فلما عرضوا عليه صورة أبوقراط قال هذا رجل يحب الزنا؟.
قيل له يا معلم ولكن هذا أبوقراط؟ ولم يكن اجتمع به من قبل. قال إني شديد الفراسة فانقلوا له كلامي، فلما وصله قال: صدق أفليمون فأنا رجل أحب الزنا ولكني أملك نفسي؟ ومن حكمه التي قالها: "إنما نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل" و"الأمن مع الفقر خير من الغنى مع الخوف" و"العلم كثير والعمر قصير فخذ من العلم ما يبلغك قليله إلى كثير". ووصفه "المبشر بن فاتك" في كتابه "مختار الحكم ومحاسن الكلم" أنه كان "ربع القامة, أبيض اللون حسن الصورة عظيم الهامة بطيء الحركة إذا التفت التفت بكليته، كثير الإطراق، متأنيا في كلامه، يكرره على سامعه، كثير الصوم، قليل الأكل، بيده دوما إما مبضع أو مرود (للكحل)". ولم يخدم أبوقراط ملكا لزيادة ماله، وفلسفته تقوم على المال الضروري وحسب. فهو خير خادم وشر سيد. وحينما طلبه طاغية الفرس في مرض ألم به مع عرض مالي سخي رفض قائلاً: لست أبدل الفضيلة بالمال.
وحين عالج ملك مقدونيا انصرف في فترة إقامته يعالج فقراء المنطقة. وقال حينما دنت منيته "خذوا عني جامع العلم: من كثر نومه ولانت طبيعته ونديت جلدته طال عمره" وهي أمور صحيحة في العرف الطبي من راحة البال والغذاء الجيد وعدم التعرض للجفاف. وأخيرا ودع تاركاً خلفه ذكرا في العالمين ومدرسة تعتمد التجريب والنظر إلى المريض، وأن الطبيب يجب أن يبحث عن سبب العلة ليس في السماء بل في جسم المريض. ومن الغريب أن صاحب كتاب المئة الأعظم في التاريخ "مايكل هاردت" لم يضع الرجل بين العظماء مع أنه مؤسس الطب في العصر القديم.