كان خبر الغرامة المالية التي حكم بها على صحفي في جريدة "الاتحاد" حديث المجالس. فقد كان الجميع مستاءً من فكرة إصدار مثل هذه الأحكام ضد صحفيين شهد لهم بالحس الوطني وتتبع الأخبار الصادقة والتي تمس الضمير الاجتماعي. المزعج في الأمر أن يحال صحفي إلى محكمة تماماً كما يحال المتهم بالقتل والسرقة. الصحفي ليس له حصانة صحفية تحميه في حال حاول البعض اعتبار ما ذهب إليه في كتابته تجريحاً شخصياً أو إساءة، ليس لأن الصحفي منزه عن الخطأ لكن لابد وأن يعامل معاملة تليق بمهنة البحث عن الحقائق المتعبة. فالصحفي مهما كان مقصده لن يذهب أبداً إلى أبعد من حسن الظن والنية لمعالجة خلل أو فساد.
والأدهى أن يتعامل مسؤول بهذه الأخلاق حين لا يحتمل نقداً أو استفهاماً, ليركض باحثاً عن فرصة انتقام. ليس بالضرورة أن يكون بين الصحفي وأي مسؤول ثأر شخصي أو تصفية حسابات, إنها فقط الأمانة الصحفية التي يمليها الضمير الذي لابد وأن يتمتع به أي صحفي ليثبت نبل المهنة التي يعمل بها. فبعض المسؤولين اعتبروا أنفسهم فوق المساءلة والقانون وأنه قد كتب على أبواب إداراتهم "لا مساس", فبالتالي ليس من المفترض من صحفي أن يتناول قراراتهم بالتشريح أو النقد أو التساؤل. مع الأسف أننا لا نزال نراوح أماكننا ولازلنا أصغر من إدراك أن النقد لا يعني تجريحاً شخصياً بقدر ما هو فرصة علاج, وإنذار حين تكون الصورة ليست واضحة التفاصيل لدى المسؤول.
ولا يغيب عن بالنا أن الإمارات منذ نشأتها إلى اليوم لم تسجن صحفياً واحداً، وهي الوحيدة في الشرق الأوسط التي لابد لها وأن تفتخر بهذا الفضل. القانون الإماراتي يحتاج إلى تغييرات واسعة خاصة فيما يخص المطبوعات. فبعض القوانين تبيح جلد الصحفي في بعض الحالات. ورغم أن الجلد غير مطبق لكن مجرد وجوده خزي.
وفي المقابل لابد من ضوابط تحمي كافة الأطراف. وهذا لا يعني أن يترك الحبل على الغارب، لأن العديد من الصحفيين - خاصة الأجانب - لهم تجاوزات تتطاول على الدولة وسمعتها, وهنا يقع العبء على صحفي لم يفهم أهمية عرض أفكاره باحترام ودقة ولا يصدّر فيها أحكاماً بعيدة عن الحقيقة وصور الواقع ودوافع الكتابة والنشر الصريحة بعيدا عن التشهير أو التجريح أو الإساءة. هذه التداخلات تتطلب الإسراع في البت في قانون المطبوعات الجديد الذي تتم دراسته الآن والذي يحفظ كافة الحقوق ويحدد سقف الحريات ويتعامل مع الصحفي والمسؤول باحترام يقدر فيه جهد الطرفين.
ففي عصر التكنولوجيا والانفتاح الاقتصادي الذي تشهده الدولة صار من الأهمية بمكان وضع قوانين تتناسب مع منظور العصر وفرصه, خاصة وأن الدولة تحتضن عشرات المجلات والمحطات الإعلامية الأجنبية والتي مازالت تجهل ما لها وما عليها وما هي فرصتها في طرح ما تريد من أفكار وفق الإطار الاجتماعي العام والذي لا يمس روح و هيبة الدولة.
فالمؤسسات الإعلامية التي اختارت الإمارات مقراً لها, وحتى المؤسسات المحلية تحتاج إلى تشريعات تجلو الغموض عن الكثير من الأسئلة التي ترد إلى الأذهان, والكثير من التفاصيل التي مازالت مبهمة والقانون غير واضح بشأنها، لذلك كان القانون الجديد مطلباً ملحاً ليعلن الوجه الحضاري الحقيقي لهذه الدولة والتي - رغم كل شيء - تُلح في احترام الصحافة والإعلام وتعتبر المصداقية مقياساً وحيداً في إصدار الأحكام واحترام البشر أياً كان الأمر أو المضمون.