يقول الشاعر العربي:
بربك ما ضاقت بلاد بأهلها... ولكن أخلاق الرجال تضيق.
لماذا يهاجر الإنسان الشرقي إلى بلاد الغرب، ولا يحدث العكس؟ ولو تم تخيير أي إنسان شرقي بين الاستقرار في بلد عربي أو بلد غربي، لاختار الأخير بدون تردد. هل هو الفقر أم الاستبداد؟ لا أعتقد أن الفقر هو السبب، لأن الإنسان الشرقي لا يصبح غنياً في الغرب، وإن كانت فرص حصول الغنى في الغرب أمرا واردا ومحتملا جداً حدوثه أكثر منه في الشرق, حيث احتكار الغنى لفئة معينة من الناس. إذن لابد أن الاستبداد بجميع أنواعه في بلادنا الشرقية والعربية، حتى في البلاد الغنية نسبياً مثل الخليج، هناك تبرم من الحياة.
وحين أقول الاستبداد فلا أقصد الديكتاتورية, بل أقصد بالاستبداد حالياً، الحياة المقيدة التي نعيشها بقوانين تفرض من الممنوع أكثر مما هو مسموح به في كل المجالات، وحيث تراقب السلطة من خلال أجهزتها الأمنية حياتك في كل مكان بحجة الأمن، وحيث تحدد لك السلطة ماذا تكتب وماذا تقرأ وماذا تشاهد، حتى ولو قمت بدفع ثمن هذه المتع البسيطة، وحيث يفرض عليك المجتمع قيوداً من ركام العادات والتقاليد، وحيث ينعدم مبدأ تكافؤ الفرص، وتتلاشى العدالة الاجتماعية، وحيث لا يثق الإنسان في مؤسساته الأمنية والعدلية، وحيث لا يؤمن بدولة القانون حتى وإن كان يقرأ نصوصه، وفي مثل هذا "الجو" الخانق، تضيق أخلاق الرجال.
ماذا تعني بهذا القول - الحكمة التي ذكرها الشاعر؟ أعني أن النفس الإنسانية حرة حين تخرج لهذا الوجود الجميل، تعيش هذا الوجود لتتمتع به، وفي أي بلد لا عبرة للمساحة الجغرافية - وإن كانت مهمة في حد ذاتها - إذا كان في النفس متسع للجمال الكامن في الحياة. أما إذا ضاقت النفس، فلا فائدة من الاتساع الجغرافي. وهناك من الناس من يرى الحرية، كل الحرية، في المأكل والملبس والتجول في السيارة والتسوق في "المول" أو المركز التجاري، فيعتقد أنه حر لمجرد أنه يتحرك ويأكل ويشرب. وقد أسميت هذه حرية النعاج، لأنها حرية متوفرة للإنسان والحيوان معا حين ينعدم التفكير الجاد في معنى الحرية. وللأسف أن كثيرا من الناس لا يهتمون كونهم يمشون في ظل الحائط طلباً للأمن الذاتي، ولهذا تكثر لدينا أمثلة شعبية سخيفة مثل "من خاف سلم" و"لسانك حصانك"• و"روح بعيد وتعال سالم". والأمثال الشعبية ليست سوى انعكاس لواقع حياة الناس المعيشة، ولم تنتشر بين الناس عبثا، بل تعبيراً عن الخوف الكامن في النفوس من السلطة المستبدة.
لكن في كل مجتمع هناك من يأنف عيشة الذل هذه، ويرفض الهوان، خاصة من ذوي التفكير الحر من المثقفين وأصحاب القلم الحر غير المرتهن، ولهذا تراهم إما في السجون أو المنافي أو القبور, أو يعيشون حالة الانعزال الاجتماعي القسري أو الطوعي. وأمثال هؤلاء هم من تضيق أخلاقهم عن تحمل الاستبداد حتى ولو كانت أحوالهم المعيشية مقبولة مقارنة بما يحوزونه من شهادات وعلم، يأنفون عن بيع أنفسهم أو تأجير قلمهم للسلطة، أو أن يحنوا رؤوسهم للفكر الديني، أو يركنوا إلى الصمت.
أمثال هؤلاء وبما يتحلون به من أخلاق الرجال يضيقون بالحياة ذرعاً في بلادهم وإن كان كثير من الناس يلومونهم لأنهم هم من يجلب المتاعب لنفسه، وكان بإمكانهم تجنب كل هذه المتاعب، بل بإمكانهم اجتلاب بعض المنافع لو أنهم "ضبطوا" ألسنتهم وأقلامهم.
وهذه الحالة ليست حديثة العهد، وإلا لما عبر عنها هذا الشاعر بهذا البيت الرائع. فالبلاد لا تضيق على الناس إذا ما رضي الناس بحالهم، وقلما يرضون، لكن أخلاق الرجال هي التي تضيق على الواقع. وبتعبير موجز، لا يكفي هامش الحرية المتاح في أوطانهم لكي يحصلوا على "أوكسجين" كاف من الحرية للعيش بكرامة. وقليل في بلادنا العربية من يفهم هذا الأمر.