أصبح على الشعب السوداني أن يضيف شهر يوليو إلى تواريخه التي تشكل معالم حياته السياسية الحديثة، بين يناير 1956، وأكتوبر 1964، وأبريل 1985 ثم جاء يوليو 2005. وهي على التوالي تواريخ الاستقلال، ثم الثورة الشعبية النموذجية في العالم الثالث، ثم ثورته الشعبية الثانية على العسكر مرة ثانية، ثم أخيراً تاريخ الاتفاق الشامل بين الشمال والجنوب, ذلك الاتفاق الذي عمل له "جون قرنق" حوالى عشرين عاماً.
لم يكن اتفاق "نيفاشا" بمسمياته، من ماشاكوس 2002 إلى نيروبي ونيفاشا، مجرد اتفاق شامل بضمانات دولية لم تتوفر لعشرات من اتفاقات السلام في مناطق الصراع الأفريقية أو الآسيوية، اللهم إلا إذا استثنينا اتفاق التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا. ولكن اتفاق نيفاشا، اكتسب قوته الخاصة من وجود العقيد الدكتور جون قرنق نفسه، على رأس الجيش الشعبي -SPLA- لجنوب السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، ببرنامجها الواعد من أجل "سودان جديد" حسب تعبيرها منذ أكثر من عشرين عاماً.
كان جون قرنق ابن أكبر القبائل السودانية- الدينكا- وليست فقط كبرى قبائل الجنوب. كان من تربية الجيش الوطني السوداني المنظم، وليس مجرد متمرد في الغابات، خارجاً على الحياة السياسية المنظمة، كما كان ابن جامعة أفريقية عريقة في دار السلام ذات صيت في الفكر السياسي الأفريقي، وخريج جامعة أميركية برسالة دكتوراه في الاقتصاد الزراعي، حول مشروع "قناة جونجلي" أحد أشهر مشروعات السودان ومصر ضمن تنظيم مياه حوض النيل.
بهذه الصفات -في اعتقادي- كان جون قرنق أفضل من يوقع على اتفاق الجنوب مع الشمال في نيفاشا أو غيرها. ولذا أيضاً كان شهر يوليو 2005 شهراً مشهوداً في التاريخ السوداني. بدأ بتوقيع الاتفاق ومجيء قرنق لتحية الشعب السوداني وأبناء الجنوب في الخرطوم في أحد المشاهد السياسية التاريخية التي سيحتفل بها في حياة السودان، ليعلن شخصية قرنق شخصية جامعة وتوحيدية، في أرقى صورة كاريزمية بين أكثر من مليون مواطن سوداني، ثم لينتهي شهر يوليو وقرنق معه, هذه النهاية التراجيدية, وحتى قبل أن يشكل حكومة الإقليم الجنوبي التي سيرأس بها الجهاز التنفيذي في الجنوب.
سوف تفرض الدهشة عديداً من التساؤلات حول هذه الميتة المفاجئة. هل يمكن أن تكون طائرة الرئيس الأوغندي الخاصة بهذه الهشاشة؟ هل يمكن أن تتعرض مجموعات أوغندية متمردة في شمال أوغندا مثل "جيش الرب" لطائرة مثل طائرة الرئيس الأوغندي بفارق الإمكانيات؟
وتمضي التساؤلات إلى حجم الخلاف داخل الجنوبيين، وحجم تفاعل ذلك بين أبناء المنطقة الاستوائية في الجنوب من "البارا" و"الكاتوكا"؟
وهل يعقل أن يؤدي حجم خلاف حول تشكيل حكومة وسلطة الجنوب إلى تديير حادث مأساوي مثل هذا؟ ولو كان ذلك فعلاً ما حصل و"الـميتة", "اغتيالا" فمن فعلها؟ هل هم مثلاً الميليشيات الشعبية الذين كانوا موالين لحكومة الخرطوم وقت الصراع في الجنوب، وعبروا عن استيائهم من اتفاق يتجاهل دورهم ووجودهم في التسوية والتوازنات؟
كلها أسئلة، إن لم تنعكس إجاباتها على تفسير الحادث التراجيدي، فإنها تظل معلقة لتنعكس على طبيعة التسويات التي ستأتي في مرحلة "ما بعد قرنق"!
وسوف تواجه حكومة "الرئيس البشير" هذه الأسئلة بالضرورة خاصة وأن شهر أغسطس كان من أصعب أشهر الاتفاق. فسوف تتم فيه تسوية معظم بنود انقسام السلطة والثروة الفعلية، وستحل فيه مشكلة منطقة "ألبي" وتكوين حكومة الجنوب نفسها، و حسم وضع الأحزاب السياسية في الشمال والجنوب. لا بل وموقف كل الأطراف من الاتفاقيات الخاصة بدارفور والشرق, والغرب... الخ.
كل ذلك كان ينتظر عودة قرنق من جوبا... التي لم يصلها!
تأثير شخصية قرنق لم ينعكس على الحياة الداخلية في السودان وحده, بل أصبح الدكتور قرنق في السنوات الأخيرة وجهاً مألوفاً بإطلالاته على الرأي العام العربي، فضلاً عن شهرته ووضعه على المستوى الدولي.
كنا نراه ذخيرة لمستقبل السودان, مستقبل بعيد عن وضعه في الماضي كثائر أو متمرد، ولا يتمتع خلفاؤه -مع كامل تقديرنا- مثل "سلفاكير" أو "باجان آموم" -من قيادات الحركة- بمثل هذا الوضع رغم قوة نفوذهم داخل الحركة. لقد بذل الجميع في جوبا والخرطوم جهداً جديداً لإخراج تلك الشخصيات من شرنقة الجنوب إلى المجال العام. ولابد للدوائر العربية التي اعتادت شخصنة العلاقات وآثارها, أن تحافظ على علاقاتها بالجنوبيين داخل السلطة السودانية العامة بقدر من التقدير لكل هذه التطورات.
ومع وقوع الحادث التراجيدي لجون قرنق، لا يمكن معالجة آثاره بالتسرع. ثمة فترة ضرورية لتأمل الإجابة حول تساؤلات تخص أثر انفراد "البشير" الآن بالساحة الدولية والإقليمية، وتخص الوضع في تجمع المعارضة، وتخص تشكيلة الجنوبيين أنفسهم وقدرتهم على حفظ التوازن بين القوى التي كانت آخذة في التصارع. ولابد من الأخذ في الاعتبار مدى ديمقراطية القيادات الجديدة في الجنوب مثل "سلفا كير" و"آموم" أو تصارعهما مع "ريك مشار" من قبيلة "الشيلك" أو "لام آكول" من قبيلة "النوير".