في جو يسوده هدوء الاعصاب في تناول شتى القضايا المحورية يمكن بسهولة التوصل إلى الخيط المشترك لأعقد المسائل عندما نبتعد عن فلتان اللسان وشطحات العقول باستخدام الألفاظ الجارحة التي تمس شخص الإنسان وليس فكره·
واقعنا أوقع الحوار في أزمة إضافة إلى ما نعانيه من أزمات ، فبنظرة سريعة إلى مجمل شؤوننا ونبدؤها بالمدرسة، فالفكر أو الموقف الذي يتخذ من الطالب المحاور، يوصم بالتمرد أو الاعتراض على ما يتلقنه من معلومات، لماذا؟
لأن الذي يجرؤ على حوار الآخر يعني بالمعنى الميسر بأن هناك رأيا مخالفا سوف يطرح وهذا هو المفصل الذي لا يرغب فيه الكثير فيقدم السكون بالسكوت على الزوبعة في فنجان·
أما القليل فقد يعاني الأمرّين إذا ما فكر في إدارة حوار ما لتحديد موقف عن حدث أو معلومة ما زالت في طي التجارب المخبرية أو الإنسانية·
ولسنا في مجال التسلسل الهرمي لعرض صور منع آلية الحوار لأخذ المكانة المرموقة بين الآليات الأخرى التي تثري الفهم لدى المتحاورين بدل البقاء تحت أسر البلاهة·
لئن كانت المدرسة بكل مكوناتها ملومة فإن للبيت كذلك نصيبا منقوصا في أداء الدور السلبي من قبل الوالدين إذا كان مبدأ رفع الصوت باللسان هو السائد والطاغي على صوت العقل·
لأن الحوار ينطلق من العقل أما اللسان فما هو إلا أداة في الترجمة الفورية للمكنون، فالأب الذي ينهر أفراد أسرته صباح مساء هو الناجح والأم التي تبصم على هذا الانهيار العصبي هي المرغوبة مع أن السلامة الاجتماعية للبناء الأسري ككل تتطلب تبادل الأدوار ولا يكون ذلك إلا باتباع آلية التفاهم على الحوار بين الزوجين·
مثال ذلك ، شأن أحد الآباء عندما يرغم طفله على إنهاء الطبق الذي أمامه حتى يتأكد من أن الطعام استقر في مكانه الصحيح ، وكان سلوك الأب الرقابي جزءاً لا يفارق طبعه ففي يوم سعى الطفل نحو أبيه تاركا طاولة الطعام والطبق من خلفه فارغا إلا أن الأب فاجأ الطفل بصفعة على خديه عقابا له على فعلته·
مع أن الطفل جاء إلى والده وفمه مليء بالطعام في خديه المنتفخين فرحا يقدم بشارة لوالده أنه استطاع أن ينتهي من الطعام بسرعة، ولكن الفرحة ماتت في قلب الطفل لأن لغة الأوامر وتليها لغة العقاب كانت سباقة إلى ميدان التربية في البيت فبدل أن يكافأ هذا الطفل على الإنجاز كانت صدمة الضرب على خديه أسبق·
الفارق الوحيد بين البيت والعمل هو أن لغة الحوار هناك شفاهة وفي العمل مكتوبة بالقرارات والتعاميم والتقارير التي تعمي العقول عن التفكير وتخرس الألسن عن النطق·
فيا ويل من يبدي سؤالا ولو بينه وبين جنبات نفسه ، لم صدر هذا التعميم أو ذاك القرار وكيف؟! فإذا كان السؤال في خانة الممنوعات ، فكيف بالحوار والنقاش حول مبدأ نفذ ثم ناقش، مع أنه بعد التنفيذ تفوت منفعة النقاش فلو اجتمعت هذه الثلاثية في أي مجتمع فإن الحوار المأزوم هو الذي يعاني منها ومن آثارها، بأن تموت المبادرات الحية في العقول والنفوس قبل أن تغلق عليها الأدراج وتضيع المفاتيح لاستحكام الأقفال·