احتلّ الرئيس الاميركي جورج بوش العراق على رغم معارضة أكثرية العالم·
وهو يستمر في احتلاله للعراق على رغم معارضة اكثرية الاميركيين·
إذا انسحب فإن انسحابه يشكل مصيبة له كرئيس يستعد لخوض معركة انتخابات رئاسية جديدة، وللمشروع الاميركي الذي يحمل لواءه بالهيمنة على العالم من خلال أمركة العولمة ؛ وإذا استمر، فإن استمراره يشكل مصيبة أكبر مع استمرار الاستنزاف في الدم وفي المعنويات الذي تتعرض له القوات الاميركية المحتلة·
عسكرياً لا يستطيع الرئيس بوش أن يفعل أكثر·ففي العراق 130 ألف جندي اميركي مزودين بأحدث آلة عسكرية وأكثرها تطوراً وأشدها فتكاً·تعززهم أجهزة المراقبة والتنصت التي تستطيع أن تحصي على العراقيين أنفاسهم·مع ذلك فلا يمر يوم واحد دون سقوط عدد من الجنود الأميركيين قتلى وجرحى·· فإلى متى؟·· إن للانسحاب من العراق ثمناً غالياً، وللبقاء فيه ثمناً أغلى·في ضوء ذلك يبدو أمام الولايات المتحدة ثلاثة خيارات:
الخيار الأول هو الانسحاب بفوضوية كما انسحبت اسرائيل من لبنان في عام 2000 وكما انسحبت القوات الاميركية نفسها من لبنان ايضاً في عام 1982 بعد العملية الاستشهادية التي استهدفتها قرب مطار بيروت·
ولكن في هذه الحالة لا بد من التساؤل: من سيملأ الفراغ الامني في العراق؟ وماذا يحلّ بالعراق إذا عمّت فيه الفوضى؟·· هل الدول العربية مؤهلة لملء الفراغ؟·· وإذا كانت مؤهلة هل تتصرف على صورة ومثال قوات الردع العربية التي دخلت الى لبنان جماعة ثم انسحبت منه فرادى دولة بعد الاخرى، حتى لم يبقَ سوى سوريا؟·· صحيح أن الحرب في البلقان بدأت بعد سقوط الشيوعية اليوغسلافية، إلا أن الصحيح أيضاً هو أن إعلان استقلال كرواتيا وسلوفينيا ثم البوسنة، كان الشرارة التي أضرمت حرب المجازر الجماعية التي ذهب ضحيتها اكثر من 200 الف قتيل·فماذا إذا أعلن الاكراد استقلالهم التام أو حتى استقلالهم الذاتي في شمال العراق ؟· ماذا تفعل الجماعات العراقية الاخرى ؟·· وماذا يفعل جيران العراق، تركيا وايران وسوريا والسعودية والكويت؟·· من هنا وكما ثبت أن الحرب على العراق لم تكن حلاً، كذلك يتضح أن الانسحاب منه دون توفر بديل موثوق ومقبول ليس حلاً أيضاً·
الخيار الثاني أمام الولايات المتحدة هو البقاء في العراق واللجوء إلى الهراوة العسكرية التي تمسك بها للمحافظة على هيبتها المعنوية وسط منابع النفط في الخليج ووسط شبكات أنابيبه في الشرق الاوسط·فالولايات المتحدة لم تخض الحرب من أجل تحرير الشعب العراقي من نظام صدام حسين، ولكنها خاضت الحرب مع بريطانيا من أجل تطويع الاتحاد الأوروبي في الدرجة الاولى بعد سلسلة مبادراته التمردية على المواقف الاميركية سياسياً واقتصادياً وأمنياً·ولا توجد وسيلة أكثر فاعلية لتحقيق ذلك من أن تمسك الولايات المتحدة بحنفية واردات النفط والغاز الى أوروبا· ولكن لهذا البقاء ثمناً مرتفعاً·فاستمرار الاحتلال يستنفر كل القوى المعارضة للسياسة الاميركية داخل العراق وفي العالم العربي كله·والمزيد من العنف الاميركي سيؤدي الى المزيد من المقاومة·وحتى اذا مارست الولايات المتحدة اللعبة البريطانية التقليدية (فرّق تسدْ) باثارة الفئات العراقية بعضها على بعض طائفياً واثنياً، فإن ذلك لن يوفر أرضاً آمنة للاحتلال الاميركي·
أما الخيار الثالث فهو العودة إلى الشرعية الدولية والعمل بنصيحة الامم المتحدة في تدويل القضية العراقية سياسياً وأمنياً وفي التعجيل بوضع دستور جديد للعراق وإجراء انتخابات عامة تؤسس لدولة وطنية جديدة·صحيح أن هذا الخيار قد ينقل في وقت مبكر جداً المشكلة العراقية من الحضن الأميركي إلى أحضان عراقية متعددة، إلا أن الصحيح أيضاً هو أن الأمم المتحدة قادرة اذا ما رفعت الولايات المتحدة يدها عن العراق، أن تعيد بناء الوحدة الوطنية العراقية على قاعدة ديمقراطية توافقية·
وعلى رغم أن هذا الخيار الثالث هو الأصعب والأكثر تعقيداً إلا أنه يبقى الاقل كلفة·وعلى المدى البعيد يبقى كذلك الاسلم للولايات المتحدة نفسها وللشرق الأوسط وللعراق·
ثمة مؤشران يعززان أميركياً هذا التوجه :
المؤشر الأول هو اعادة الانفتاح الاميركي على الامم المتحدة، وابداء الاستعداد لمنحها دوراً أكبر في إعادة بناء العراق، وحتى في المحافظة على الامن فيه·
المؤشر الثاني هو الاعتراف على لسان الرئيس جورج بوش نفسه بمسؤولية الولايات المتحدة في رعاية أنظمة لا ديمقراطية في الشرق الاوسط وإقراره بأن ذلك كان خطأ·طبعاً لم يذكر الرئيس الاميركي شيئاً عن مسؤولية بلاده في رعاية نظام صدام حسين وتوظيفه لخدمة مصالحها، ولكن هذا الاعتراف على عموميته مصحوباً بالدعوة الى بث الديمقراطية في المنطقة، يشير الى وجود متغيرات قد لا يكون من المفيد عدم المراهنة عليها·
لا شك في أن الرهان على الرئيس جورج بوش مغامرة خطيرة·فالرجل شنّ الحرب على العراق بحجة أنه يخفي أسلحة دمار شامل، وهو يعرف تماماً أن العراق لم يكن يملك اي نوع من أنواع أسلحة الدمار الشامل·ثم إن الرجل الذ