القتل الأعمى الذي يضرب في كل أرجاء الأرض باسم الإسلام وباسم قضايا العرب والمسلمين سواء في العراق أو فلسطين أو أفغانستان لا يمكن قبول تبريراته ومزاعمه بالانتساب إلى أي من تلك القضايا, أو دفاعه عنها. هو إرهاب دموي مدان من دون لكن. الأبرياء الذين يسقطون نتيجته في أي مكان سواء في العراق أو لندن أو شرم الشيخ دمهم معلق في رقاب المجرمين الذين لا يستحقون إلا الجحيم. والمسوغات التي تُساق لـ"فهم" هذه الظاهرة وإحالة استفحالها إلى السياسات الغربية إزاء القضايا العربية والإسلامية آن لها أن تتوقف لأنها صارت تتجاوز "الفهم" إلى التبرير سواء أردنا ذلك أم لم نرده.
ابتداءً ودفعاً لأي التباس, لا بد من توصيف السياسات الاستعمارية الغربية القديمة والجديدة بما كانته وما زالت عليه وهو أنها بشعة ومجرمة طوال القرن الماضي وحتى الآن. ونتائجها الكارثية ما زلنا نعيشها في المنطقة, كما تعيشها أكثر من منطقة في العالم. لكن مقاومة تلك السياسات, وطوال القرن الماضي أيضاً, كانت مقاومة شريفة, ونظيفة, ولم تنزلق إلى الإجرام الإسلاموي الحالي الذي يدمر تلك القضايا ويشوه عدالتها. خلال عقود الاستعمار المباشر في النصف الأول من القرن العشرين وإلى عقد الستينات اندلعت في معظم البلدان المستعمرة (بفتح الميم) حروب تحرير ومقاومة لعشرات السنين, وامتدت من البلدان العربية, إلى أفريقيا, إلى آسيا, إلى أميركا اللاتينية. وكان الاستعمار وقتها في أكثر تجلياته مباشرة وانحطاطاً إذ كان يحتل معظم أراضي المعمورة وينهب ثرواتها ويستغل شعوبها من دون حياء. والسجل الاستعماري في تلك الحقبة المظلمة سجل أسود بما تضمنه من إبادات وعنصرية وقمع مباشر للسكان الأصليين وما خلفه وراءه من إعاقات بنيوية ما زالت تلك البلدان تعاني منها للآن. ورغم ذلك, فإن حركات التحرير العالمثالثية خاضت حروب مقاومة راقية عاظمت من خلالها مستويات التعاطف العالمي معها, فامتد التعاضد الأممي معها وراء الحدود وكان عابراً للعقائد والشعوب والقارات. ووصل إلى عقر دار "المتروبولات" الاستعمارية نفسها, فتطورت في قلب أوروبا حركات شعبية ضد حكوماتها ومؤيدة لاستقلالات البلدان المستعمرة.
لم تُنشئ تلك الحركات تنظيمات إرهابية تستهدف المدنيين في عواصم البلدان المستعمرة. ولم تقم حركة التحرير الجزائرية باستهداف المدنيين في فرنسا, ولم تقم العديد من حركات التحرر الأفريقية بعمليات انتحارية في قلب لندن. كان الوعي العميق يدرك أن ذلك إنما يضر بقضايا التحرر ولا ينفعها إذ سيدفع الشعوب الأوروبية إلى مساندة حكوماتها في الإبقاء على الاستعمار. بل على العكس من ذلك, أنشأت تلك الحركات مكاتب اتصال وعلاقات عامة لها في تلك العواصم كان هدفها التحريض السياسي في أوساط الرأي العام الأوروبي ليتحرك ضد السياسات الاستعمارية. وكانت لندن وباريس وبروكسل ولشبونة وروما مسرحاً لتنقلات الناطقين السياسيين الرسميين وغير الرسميين باسم تلك الحركات, ونجحوا في دفع شرائح واسعة من النخب السياسية والمثقفة والإعلامية كي تتبنى بلا هوادة برامج التحرر والاستقلال التي كانت تقاتل من أجلها المنظمات الأفريقية والآسيوية والأميركية اللاتينية. بل وانتقل كثير من هؤلاء للإنخراط في دعم مباشر لتلك الحركات وانتسبوا لها وبعضهم قتل في أرض المعركة, برغم اختلاف الثقافة, واللون والدين.
في حرب فيتنام, كما في حرب الأفارقة السود ضد نظام التمييز العنصري الأبيض السابق في جنوب أفريقيا كان الرأي العام الأميركي في الحالة الأولى والأوروبي في الحالة الثانية هو العامل شبه الحاسم في تحرر الفيتناميين والأفارقة الجنوبيين. وكان التحول الدراماتيكي الذي حصل في المزاج الشعبي ضد الحرب الأميركية في فيتنام وضد التواطؤ الأوروبي وخاصة البريطاني مع النظام العنصري في جنوب أفريقيا نتيجة لنظافة الحرب التي قادتها حركتا التحرر في البلدين والتي زادت من جلاء عدالة القضايا وأجبرت الأنظمة على الرضوخ وتغيير سياساتها. في العصر الحالي, ومع تعولم الإعلام والقضايا تكون مهمة القضايا العادلة أسهل لو كان لديها محامون من غير صنف المحامين الحاليين.
لكن هيهات, فـ"إرهابيونا" الحاليون و"انتصارهم" لقضايانا هم المصيبة الأكبر لتلك القضايا. فهم أولاً لا يتحلون بأي وعي يتجاوز التفكير بالقتل والتفجير لكل من هب ودب خارج الدائرة الضيقة التي تلفهم, بمظنة أن ذلك يخدم القضايا الكبرى التي تواجه المسلمين. والثقافة التي ينطلقون منها ثقافة عمياء بإطلاق ومسطحة لا تعرف التمييز بين الحكومات وشعوبها, بين المناصرين وغير المناصرين, بين الأبرياء وغير الأبرياء, وهي لا تعترف بإمكانية حشد التأييد بل حشد الأعداء وتوسيع دائرتهم.
بيد أن مصيبتنا لا تتوقف عند البنلادنيين والزرقاويين ومن لف لفهم من قاعديين, بل تمتد إلى شريحة من أنصاف المثقفين ونجوم الإعلام الفضائي الذين يبررون إرهاب هؤلاء بإحالته إلى السياسة الغربية. ليس هناك شجاعة عند هؤلاء ليقولوا هذا إرهاب أعمى وأجوف ومد