لعل متابعة مسلسل الحجاج في شهر رمضان الكريم، تكشف الكثير من القضايا التي برزت في عصر الصراع على السلطة بين مختلف التيارات السياسية في ذلك العصر، والذي جاء ليكمل حلقة الصراع بين المثاليين وذوي الاتجاه التسامحي في الفكر الإسلامي، وأولئك البراجماتيين، ممن يسعون إلى الوصول إلى السلطة وبسط النفوذ وبأي شكل وحتى بأية وسيلة·
إن العقلية السلطوية وحب ترسيخ مبدأ القوة ضد مبدأ الأيديولوجية، هو المحرك لتلك الحقبة من التاريخ العربي والإسلامي، وهي التي أعطت الفرصة لبروز شخصية الديكتاتور المستبد والذي ضرب عرض الحائط بكل القيم السامية للإنسانية، ونجد أن كل تناقضات ذلك الصراع برزت في شخصيات تلك المرحلة التاريخية، سواء شخصية عبدالله بن الزبير أو عبدالملك بن مروان، إضافة إلى شخصية المهلب بن أبي صفرة· إلا أن بروز شخصية الحجاج، ذلك الذي خرج من الطائف مدرساً للقرآن الكريم، إلا أن طموحاته المبكرة ورؤيته البراجماتية ساعدتا على وصوله إلى السلطة والتنكيل بأحفاد الخلفاء الراشدين، بل إن عملية صلب عبدالله بعد قطع رأسه، تحد لكل القيم الإنسانية· كان الحجاج يدرك أن كل ذلك العمل هو الذي سيمهد له السلطة على أقدس الأماكن الإسلامية، فلم يتردد في رجم الكعبة بالمنجنيق، و الفتك بكل من يحاول أن يقف دون سيطرته على مكة·
كان واضحاً منذ البداية أن الصراع السياسي بين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية لم ينته بل كانت هي البداية· إن عرض هذا الجزء من التاريخ العربي الإسلامي له دلالات على وجود خلفية تاريخية للديكتاتورية في هذه البقعة من الأرض، وإنه متى ما ساعدت العوامل الموضوعية لبروزها وبشكل ساطع، كما هي حالة كليب الحجاج والذي ضحى بوالده نتيجة للاختلاف في موقف كل منهما من الصراع على السلطة، فلم تعد صلة الرحم أو حتى العلاقات العائلية ذات أثر في كبح جماح التعطش للسلطة· ولعل المقارنات بين المستوى المعيشي لأهل مكة والشام يبين مدى التحول في نمط المعيشة والاتجاه نحو حياة الرفاهية والابتعاد عن البساطة والتواضع· ومنذ تلك اللحظات التاريخية الحزينة انكشف التوجه نحو إقامة حكم لا يرحم من يحاول أن يخرج عن طاعة أصحاب النفوذ· فلم يشفع أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- لابنته أسماء أم عبدالله، أمام طالبي حياة الدنيا· وعملية صلب عبدالله تذكر المشاهد بالأفلام الأجنبية التي تصور عملية صلب سيدنا المسيح بن مريم، وهنالك أيضاً بدايات لما يعرف بتعدد الاتجاهات في الإسلام السياسي، وازدياد الاجتهادات التي تحاول أن تبرر سلوك كل فرقة من الفرق، وتعزز أحقيتها في استلام السلطة السياسية·وكانت الجزيرة العربية سواء في مكة أو الشام أو البصرة هي ساحة المعركة، بين مختلف تلك الفرق على اختلاف توجهاتها، ومن أغرب ما يلاحظه المرء في هذا المسلسل التاريخي أن الجميع يحكم باسم الإسلام، أو يدّعي أنه يقاتل من أجله· فالخليفة الأموي ورجاله يدّعون أنهم بقتالهم إنما يفعلون ذلك لنصرة الإسلام وبقاء دولته، مع أن الأمويين كانوا أكثر وضوحاً بالنسبة لتغليب السلطة على المبدأ· فعبدالملك فارق القرآن فراقاً لا لقاء بعده عندما تولى الخلافة· والخوارج بكل اتجاهاتهم يعلنون أنهم يعملون من أجل نصرة الدين الحق وأنهم باعوا دنياهم طمعاً في الآخرة، ومصعب بن الزبير الذي لم يتردد في قتل المختار الثقفي والعبث برأسه، بل وبقتل زوجته دون قتال يحارب أيضاً من أجل الإسلام·والمهلب بن أبي صفرة وعبدالله بن الزبير (الذي خرج هو نفسه على خلافة علي بن أبي طالب) كلاهما يقاتل من أجل نصرة الإسلام· مسكين هذا الإسلام، باسمه يقتل الناس وباسمه تجزّ الرؤوس، وباسمه أيضاً يقاد الناس إلى حروب لا طائل لها· كان ذلك قبل ما يزيد على ثلاثة عشر قرناً، والأمر لم يتغير كثيراً إلى اليوم، فباسم الإسلام أيضاً يقتل المدنيون الأبرياء في الجزائر، وباسمه أيضاً تتم تفجيرات الرياض، وباسمه أيضاً قتل النميري قبل ثلاثة عقود من خالفه الرأي·
ترى أليس من حقنا كمسلمين أن ندعو في الأيام العشرة الأخيرة من رمضان إلى أن نرى الصورة المشرقة للإسلام، الصورة التي تدعو إلى الشورى، وتدعو إلى الحسنى، وتدعو إلى عدم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق· ألسنا بحاجة إلى الإسلام الذي دعا إلى المجادلة بالحسنى، وإلى قبول الآخر، ألسنا بحاجة إلى الإسلام الذي يضع حداً لهؤلاء الناس الذين يكفرون الناس ويقتلونهم باسمه· والإسلام منهم براء·
ملاحظة أخيرة تجدر الإشارة إليها، وهي دور المرأة في ذلك الصراع بين مختلف الفرق والاتجاهات، ألم يعترف الحجاج ضمناً بهزيمته أمام أسماء بنت أبي بكر؟ على رغم أنه قد هيمن على مكة والمدينة، كما هزم من قبله عبدالملك بن مروان أمام سكينة بنت الحسين زوجة مصعب بن الزبير· ومصعب بن الزبير نفسه ألم يهزم أمام إصرار زوجة المختار الثقفي عند وفائها لزوجها؟ كما نجد أن هنالك العديد من الشخصيات النسائية قد قمن بدور مهم في تلك المرحلة التاريخية المفصلية من التاريخ العربي الإسلامي سواء لدى الخوارج أم ا