كأن المشهد العربي تنقصه خلافات أكثر وضغائن أشد وأزمات أعقد·· فتأتي التوترات السورية اللبنانية لتسد تلك الثغرة الافتراضية وتعوض هذا النقص الوهمي·
لقد كان المتخيل أن خروج سوريا من لبنان سينهي أزمة اقليمية ودولية طالت خيوطها وتعقدت شباكها. وتصور البعض ايضاً ان هذا الخروج سيبطل مفعول مخاطر كانت وربما مازالت تهدد سوريا.
لكن ما يحدث هذه الايام على الحدود البرية والبحرية بين البلدين يدحض هذا الافتراض. والواقع ان ما يحصل هناك كما قال فؤاد السنيورة المكلف بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة ليس بالفعل من مصلحة العلاقات الثنائية والشعبين الشقيقين. ذلك لأن العلاقات بين لبنان وسوريا ليست قائمة على الاعتبارات التاريخية فحسب، بل أن الأساس فيها، أن لم يكن الأهم من التاريخ، في هذا الشأن هو المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة. وبموجب ذلك يمثل تضرر تلك المصالح ضربة للعلاقات وتهديداً لها·
لقد احتجزت سوريا مجموعة جديدة من الصيادين اللبنانيين لدخولهم المياه السورية بصورة غير مشروعة واتخذت اجراءات جديدة على الحدود البرية أدت الى ما صار يعرف الآن بأزمة الشاحنات التي تصطف بالعشرات حاليا على الجانب اللبناني من الحدود·
إن ما اتخذ من اجراءات على هذا الصعيد هو في الحقيقة شأن سوريا داخلياً وقرارات سيادية خالصة·· ما من احد يمكن ان يجادل في ذلك، الا ان مقتضيات الحال وسياق التطورات اقليمياً ودولياً ربما تجعل البعض يفضل لو انه تم تكييف الامور على نحو مختلف، يراعي ما يربط بين بيروت ودمشق من ناحية وما يربط بين دمشق والقوى الدولية المهمة من ناحية اخرى·
ان خروج سوريا من لبنان على نحو ما جرى قبل اشهر لا ينبغي ان يكون مثل عملية فصل جراحي بين توائم ملتصقين· كما انه لا يتعين في الوقت نفسه ان يكون الخروج من داخل لبنان طريقاً لتطويقه من الخارج· اذاً إن أي اجراءات يترتب عليها اي نوع من الحصار للبنان في هذا التوقيت بالتحديد، ستبدو كما لو ان وراءها نزعة انتقام او رغبة في التضييق مع قدر لا بأس به من التعنت· وفهم الامر على هذا النحو لن يثمر الا عن مزيد من تعقيد الأزمة·
بل -اكثر من ذلك- ربما تغرى تلك التحركات البعض بمزيد من التدخل في الشأن السوري اللبناني· وقد تجعل دمشق اشد عرضة للانتقادات من هذا الطرف أو ذاك·
بصراحة شديدة ·· توقيت الاجراءات الجديدة، فضلاً عن مضمونها ليس في مصلحة أحد، لا لبنان ولا سوريا ولا الوضع العربي المثخن بما يكفيه من الأزمات والأوجاع.