اجتمعت بطبيب عربي تخصص في أميركا ويحمل جنسيتها وعندما سألته عن سبب تركه لأميركا كان جوابه أنه يخشى على أولاده أن يخرجوا عن التقاليد العربية · ويصعب علينا في العادة أن نتصور ضغط الثقافة ولو سألت أي إنسان هل أنت مقتنع عقلياً ووصلت إلى ما تعتقد بتمحيص ونقد شديدين أم أنك تفعل ما تفعل بسبب التقليد لأكد بما لا يدع مجالاً للريب أنه وصل إلى العقيدة الصحيحة بتمحيص تعجز عنه ميكانيكا الكم والنسبية معاً؟! وأبغض الأشياء على النفس الانتقاد ولا تسكر النفس بخمر كالثناء، وهناك نوع من التساؤلات تمثل الأرض الحرام فلا يلج معاقلها أحد وكانت حجرا محجورا· نحن ولدنا في بيئة إسلامية رأينا آباءنا يصومون فنحن مثلهم نصلي ونصوم، ولكن السؤال ماذا لو ولد أحدنا في التيبت أو المانيا أو اليابان؟ يسهل أن نتصور أن أحدنا لو ولد في إيران سيكون شيعياً ، ولو ولد في تركيا سيكون على الأرجح سنياً وعلى المذهب الحنفي، ولكن هل يمكن أن نتصور أن أحدنا لو ولد في (كيرلا) في الهند لكان هندوسياً يقدس البقرة أو الجرذان أومن السيخ لا يستغني عن عمامته ولا يقص شعره إلى يوم القيامة، ولو ولد في اليابان لكان ربما بوذياً من جماعة (الزن)، ولو ولد في ميونيخ لربما كان قساً كاثوليكياً· ولو ولد في التيبت لكان حليق الرأس يلبس الأصفر من جماعة (الدلاي لاما) ويقرع الصنج· فهناك أقدار تتحكم فينا تدفعنا أن نفكر بعمق أمام هذا السؤال المزلزل فنكون أكثر تسامحاً مع الآخرين· الصيام لا يخص المسلمين فقد كتب على الذين من قبلنا، ولم يكن للمسيح عليه السلام أن يدخل التجربة قبل صيام أربعين يوماً· والصيام ثانياً قد يكون عن الكلام عندما نذرت مريم أن تصوم للرحمن فلم تكلم إنسيا وهو أصعب بما لا يقارن من الصوم عن الطعام· والصيام ثالثاً ليس تعذيباً للنفس بل إعلان لولادة (الإرادة) ضد الغريزة فلم نر قطاً صام أو عشباً انتحر وهو ما يفعله الإنسان فقد ينتحر في إعلان استقالة من الحياة ، أو يصوم فيعلن حالة الجوع مختاراً متضامناً مع الجياع في حديث مناقض لمواضعات الغريزة· تخضع الآلة لمبدأ القصور الذاتي، وتمسك الغريزة بتلابيب الحشرة، ويعلن الإنسان بالصيام الوعي والإرادة والحرية في مركب ثلاثي متفرد· وتتفاهم النحلة مع رفيقاتها بالرقص فلم تعلن نحلة يوماً أنها مثقفة، ويركض فأر الحقل يسعى لطعامه لا يعرف إلا نهم الطعام فلم يدل بتصريح أنه مكتئب أو متشائم، ويتفرد الإنسان بإعلان الإمساك بمكبح الغرائز فلا يستجيب لندائها· والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام·
الحرية إذاً ليست الإباحية بالاستسلام المطلق أمام اجتياح فرق الغريزة، والحرية الفعلية هي الصبر أمام إسار الضرورات، والهبوط لا يحتاج الى طاقة ولكن الصعود يحتاج إليها· والطائرة عندما تنزل تستهلك أقل قدر من الوقود، وهي عند صعودها تستهلك أكبر قدر منه، والحضارة تقلع على أجنحة الروح ولجم قيود الغرائز لذا كانت الحضارات دوماً ذات بعد أخلاقي، وعندما تتحرر الغرائز ويبدأ حديث الروح بالانطفاء تبدأ رحلة السقوط بالانكباب على الملذات في مؤشر أخلاقي على تردي الحضارة سنة الله في خلقه، ومن يملك نفسه يملك العالم، والغنى ليس ما نمتلك بل بما نستغني عنه فهذه قواعد فلسفية مهمة، وكان سقراط عندما يمر في السوق فيرى الناس يتدافعون تحت حمى الاستهلاك يصيح متعجباً: يا إلهي ما أكثر الأشياء التي لست في حاجة إليها؟!··
الصيام إذا شريعة الأنبياء· وهو أسلوب غاندي في الجهاد المدني، اللاعنف، وهو إعلان ولادة الإرادة وضبط الغرائز تربية للنفس· وهو فوق كل هذا مطهر بيولوجي للجسم؛ فلا يمارس أحد الصوم إلا ويشعر بالراحة والخفة وزوال كدر الروح· ونحن في المشافي أول ما نفعله مع المرضى هو الصيام فنضع لهم محاليل في الوريد ونمنعهم من الطعام فيرتاحون· ومع كل نقص في الوزن يصبح الإنسان أكثر جمالا ووجهه أكثر شبابا· وهكذا ففي نقطة الصوم تجتمع كل الأديان والثقافات والتجارب الإنسانية والطب وعلم النفس· وعلة هي( لعلهم يتقون)· والتقوى هي تحريض آليات الضبط الذاتي· وهو يقترب من المستحيل لولا التدريب المستمر· والنفس كالطفل إن تهمله شب على··· حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم· وفي الصيام تتدفق الحكمة من القلب على اللسان· ولم يتنزل القرآن إلا في رمضان· ولم ينطق يسوع المسيح بالحكمة إلا بعد أن جاع أخيرا· فدخل في ثلاث تجارب وعرف أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده بل بكل كلمة طيبة تخرج من الفم·