في المبتدا: أثارت الأطروحات التي استهدفت تشخيص الواقع الإعلامي في دولة الإمارات وخاصة واقع أو موضع الإعلامي المواطن في مجمل الحراك الإعلامي ردود أفعال وتعليقات ربما لم تكن جديدة في سياق الهم العام الذي يعيشه الإعلامي المواطن ومعاناته مع المؤسسة والمجتمع والذات·
تأتي مبادرة نادي دبي للصحافة بتنظيم هذا المنتدى تحت عنوان المواطنون في الصحافة تحقيقاً لهدف توسيع قاعدة المشاركة قضايا الوطن وهمومه على بساط البحث والمكاشفة لعل بصيص أمل يبرق في نهاية النفق· لقد طرحت أفكار جميلة وجريئة وإن جاء بعضها من إخوة عرب اختلط هاجسهم اليومي مع شرف المهنة وهموم الوطن، فكان صوتهم معبراً وبكل صدق عما يعتمل في صدور عدد غير قليل من الإعلاميين المواطنين بعضهم قضى نحبه وبعضهم الآخر آثر السلامة وترك الساحة، وبعضهم، وهم قلة، أصر على الصمود والتمسك بالثوابت وأخلاقيات المهنة وتحمل كل المخاطر وإن كان أهونها الوقوف في قفص الاتهام والتعرض للاستجواب وقبول حكم القضاء دفاعاً عن قضية أو إماطة اللثام عن فساد ونخر في بنية وأخلاق وضمير المجتمع·
في المشاكسة: ستبقى قضية توطين الإعلام مطروحة لأن حجمها وتداعياتها يثيران الشجن والهم معاً وسيبقى سؤال الإعلاميين المواطنين جارحاً ومؤرقاً وهم يسمعون ويشاهدون ويقرؤون من خلال مئات من الوسائل الإعلامية الجديدة التي تظهر يومياً كمؤسسات تقدم خدمات إعلامية تفتح أبوابها لمئات من العاملين من كل الجنسيات إلا المواطنين، ويكبر السؤال لماذا نحن مستبعدون منبوذون؟
قدمت في أكثر من مناسبة وطرحت في عدة مقالات مجموعة من الأسباب وشخصت العلة وقدمت مقترحات، ولكن يبدو أن الحرث في الماء أو جمع ذرات الرماد من فوق الأشواك في يوم عاصف مهمة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة بقوانين مهنة الصحافة، مهنة الإصرار على الوصول الى الحقيقة كاملة دون مواربة، وأجدها مناسبة سانحة لأعيد بعض ما طرحت وأحاول أن أفقأ عين الدمل علّ الرسالة تصل والصرخة تعبر عن معاناة الألم·
لا يخفى على أحد أن الإعلام بات واحداً من أهم أدوات السياسة وتوجيه الرأي العام وهو وبدون أية مزايدات السلاح الأكثر تأثيراً وأثراً في صياغة التوجهات وإحداث تعديلات جوهرية على الأفكار وطمس الحقائق وتزيين الباطل في كثير من الأحيان·
الإعلام سلاح المعركة في ساحة الفكر، استخدمه هتلر بحرفية وجند له وزيراً استطاع أن يحول الرسالة إلى قذيفة مدفع ورصاصة قاتلة ونافذة في الصدر ولا يمكن لطالب إعلام أو محلل سياسي تجاوز الدور المهم والخطير الذي لعبه جوبلز وزير إعلام الرايخ الثالث وقدرته على تطويع الفن الإذاعي والسينمائي لتحقيق اختراق فكري في عقل ووجدان المواطن الألماني وإخضاعه لوهم فكرة التفوق العرقي وأهمية اكتساح أوروبا وروسيا ومن ثم احتلال العالم برمته·
لم تمر إلا أشهر معدودة على الظهور المبهر والمخجل لوزير إعلام النظام العراقي المنحل، لقد حاولت آلة الإعلام البعثية بكل عبثية أن تصور للمتلقي العراقي والعربي القدرات الوهمية للجيش والجبهة الداخلية العراقية ولم يكذب هذه الادعاءات الإعلامية إلا سقوط بغداد المريع· والأمثلة على سطوة وقوة وسائل الإعلام كثيرة لا يتسع المجال لذكرها وتحليلها·
في المشاكسة نقول هل يعقل أن تحقق دولة الإمارات معدلات تنموية قياسية في مجالات التنمية العمرانية وتوفير الخدمات الأساسية وتشييد بنية تحتية تضاهي إن لم تكن تتجاوز ما حققته بعض الدول الأوروبية والآسيوية ولا تنجح في إحداث تنمية بشرية في قطاع الإعلام؟ ما هو السر الكامن في استبعاد العناصر الإعلامية المواطنة المبدعة في معظم، إن لم يكن كل المؤسسات الإعلامية في الإمارات؟
البعض يعزو الأسباب الى قلة التأهيل وقصور الخبرة، والرد المنطقي على هذا الطرح يقول افتحوا الملفات وابحثوا عن أصحاب الخبرات الإعلامية إياهم وانظروا كم واحداً منهم مؤهل إعلامياً أو حاصل على إجازة علمية في الإعلام وبعدها يمكن أن نتحاور·
اتهام آخر يوجه للإعلامي المواطن متهماً إياه بالكسل والركون الى الدعة وإيثار السلامة والبحث عن كرسي لإصدار الأوامر من فوقه، وهذا الاتهام مردود عليه لأن الكثير من الإعلاميين الشباب المواطنين حققوا إنجازات متميزة في العطاء الإعلامي وأصبحت أطروحاتهم الغذاء اليومي للقارئ الموجوع بالهم اليومي، وبعضهم حقق إنجازات إعلامية معتمداً على ما تلقاه من علم وما اكتسبه من تجربة· ولكننا ولا أعرف السبب طمسنا كل هذا الإنجاز ووأدنا التجربة وادعينا بأن المواطنين لا يفقهون في الإعلام!!!!
وأستطيع الرد وبكل ثقة أن أضع قائمة طويلة لإعلاميين مواطنين مبدعين متميزين فرطت فيهم مؤسسات إعلامية لا زالت لا تتوقف عن المجاهرة بالتوطين واستبدلتهم بإعلاميين هواة أو أنصاف متدربين!!
العطاء الإعلامي نهج وطريق وسياسة عليا لن تتحقق أهدافها إلا بسواعد الإعلاميين المواطنين واستبعادهم أو إبعادهم لن يخدم الوطن أو الصالح العام· وفي استعراض الساحة الإعلامية والتي يغيب عنها العنصر المواطن م