يسعى الأجانب عادة إلى زيارة المدن الغريبة بهدف التمتع برؤية المناظر الساحرة، والأشياء الطريفة، والتعرف على أنماط مختلفة للحياة والثقافة بها. أما السكان الأصليون لتلك المدن، فإن رؤيتهم لها - وخصوصا على البعد- تمتزج بالحنين والذكريات. والكاتب التركي "أوهان باموك" مؤلف الكتاب الذي نقوم بعرضه هنا وهو: "اسطنبول: ذكريات مدينة" من الأدباء المعروفين الذين تحقق أعمالهم ذيوعا وانتشارا، لا يقل عن ذلك الذي تحققه روايات كبار الكتاب، ليس فقط في باريس- حيث يعيش وينشر أعماله- وإنما في العالم بأسره. ومن مؤلفات باموك الأخرى روايات مثل "أنا اسمي أحمر"، و"القلعة البيضاء"، و"صمت الثلج" وغيرها, وهي كلها روايات حققت للكاتب مجدا أدبيا وسط أقرانه. ومثله مثل غيره من الكتاب الذين ينتمون إلى أصول شرقية، نجد باموك يتكئ على الثقافة والتراث الشرقي، في نفس الوقت الذي يرنو فيه ببصره إلى الغرب.
والأسلوب الذي يكتب به باموك عن مدينة اسطنبول، والذي يفيض بالحنين، قد لا يكون من الأساليب المألوفة لدى المؤلفين الأوروبيين الذين قاموا بالكتابة عن تلك المدينة التاريخية العريقة. فهؤلاء المؤلفون كانوا ينظرون إلى اسطنبول على أنها مدينة تضم مزيجا غنيا من الألوان، وخليطا متنافرا من الأصوات والضجيج، وأنها مدينة يمكن للسائح أن يستمع فيها لأصوات الآذان، وأصوات تسجيلات الأغاني الأوروبية الحديثة المتصاعدة من محال بيع الاسطوانات في وقت واحد، وأنها مدينة تتزاحم فيها الأبراج السكنية الشاهقة مع المساجد الأثرية، والقصور التاريخية الباذخة الممتدة على ضفاف البوسفور.
ويمكننا القول إن الرؤية التي يقدمها باموك عن مدينته الأم في هذا الكتاب هي مزيج من المذكرات الشخصية والتاريخ الثقافي. وهو يحاول من خلال رؤيته تفسير سبب الاختلاف في الرؤى بين الرحالة الأوروبيين، الذين زاروا المدينة في أوقات تاريخية مختلفة، وبين الكتاب الأتراك الذين كتبوا عنها سواء من داخلها أو من خارجها. كما يحاول أيضا تسليط الضوء على المصائر المتغيرة التي شهدتها المدينة في فترات تاريخية مختلفة.
وباموك ينجذب إلى أشياء في مدينته ولا ينجذب إلى غيرها. فهو على سبيل المثال ينجذب إلى الأطلال المتداعية للمنازل الخشبية الأثرية، وإلى الشوارع الخلفية المعتمة، وإلى الأضواء المنعكسة من السفن والزوارق على صفحة المياه، ولا يحب على سبيل المثال: وقت الظهيرة في الصيف القائظ عندما تكون الشمس في أوج سطوعها.
يقول باموك إن الحالة النفسية كانت هي التي تتحكم في الرؤى المتناقضة للكتاب الأجانب الذين زاروا المدينة وكتبوا عنها. وهو يقول إن ذلك ينطبق عليه أيضا. فحالته النفسية عندما كتب هذا الكتاب كانت مصطبغة بالحزن والأسى. والحزن الذي سيطر عليه إبان كتابته لهذا الكتاب، يرجع, كما يقول, إلى الخلافات الزوجية المستمرة بين والده ووالدته في فترتي صباه ومراهقته، والتي أدت إلى انهيار زواجهما في النهاية. وعندما يتحدث المؤلف عن والده فإنه يقول بنبرة مشبعة بالأسى إنه كان رجلا لطيفا، ولكنه كان شخصية مستهترة، وإنه كان يتغيب عن المنزل كثيرا، وإنه قام بتبديد ثروة الأسرة على عدد من المشروعات التجارية الفاشلة. والجو الحزين والبارد الذي كان سائدا في منزل باموك، بسبب استهتار والده وضياع ثروة أسرته، ترك آثارا نفسية لا تندمل لدى باموك، وجعله يشعر على الدوام بأنه يعيش في سجن من الأنانية لا يستطيع الفكاك منه.
وسرد باموك الآسر لرؤى الرحالة الأوروبيين عبر التاريخ للمدينة يشمل "رؤى" عدد من كبار الكتاب منهم على سبيل المثال لا الحصر "فلوبير" و"نيرفال" و"جوتيه" و"جايد" و"برودسكي"، كما يشمل أيضا الكتابات التي دبجها الأدباء الأتراك من سكان اسطنبول مثل الروائي "تانبينار" والشاعر "يحيي كمال". والكتاب يحفل بالصور النادرة التي التقطتها عدسات الرحالة والمصورين الأتراك المشاهير.
ويسلط باموك في هذا الكتاب أيضا الضوء على ذلك المزيج الخاص من الثقافات الغربية والشرقية التي تعيش جنبا إلى جنب في اسطنبول. فالأتراك الذين يقدسون أتاتورك لمحاولته جعل تركيا تتماهى مع الغرب (على الرغم من أن محاولة إقامة نوع من العلاقات الثقافية الوثيقة بين أوروبا والغرب وبين الإمبراطورية العثمانية تسبق أتاتورك بقرون)، يعيشون نمطا من الحياة يصفه الكاتب بأنه ليس غربيا تماما وليس شرقيا تماما. أما هو, باموك, فهو لا ينظر بتقديس وإجلال إلى كمال أتاتورك، حيث نتبين من خلال سطور كتابه أنه يحس بنوع من الحنين إلى أمجاد الإمبراطورية العثمانية، ويتحسر على زوال تلك الإمبراطورية الشاسعة الأرجاء، واستبدالها بجمهورية صغيرة لا تعد شيئا بالمقارنة مع الإمبراطورية الغاربة. كما يتحسر باموك أيضا على تحول اسطنبول من مدينة تاريخية متعددة الثقافات واللغات في العصر الإمبراطوري، إلى مجرد مدينة مملة أحادية اللغة تفتقر إلى ذلك التنوع الثري الذي كان لها في الماضي. والمفارقة في الكتاب أن المؤلف، وهو يتذكر الوطن, لا يبدو شرق