لا يخفي المسؤولون الفلسطينيون قلقهم خاصة عند حديثهم عن اليوم الذي يلي خطة الانفصال والانسحاب من قطاع غزة. ولعل خير دليل على ذلك ما قاله الرئيس محمود عباس في حديث خص به القناة الفضائية وإذاعة فلسطين عندما قال: إن أكثر ما يقلقنا هو أن يتحول قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي إلى سجن كبير وأن لا نعرف ماذا سيحدث للمنطقة الصناعية وللمعابر البرية والبحرية...". ولم يكن د. صائب عريقات – كبير المفاوضين الفلسطينيين- أقل تشاؤما من الرئيس عباس عندما قال: إن جميع الأدلة تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية غير معنية بتنسيق خطة الانفصال والانسحاب والجميع يتحدثون عن اليوم الذي يلي فك الارتباط، يوم تستمر فيه عملية السلام ... لذلك على جميع الأطراف الراعية لعملية السلام التدخل لضمان أن يكون التسليم والتسلم سلسا وسلميا وأن يكون اليوم التالي هو يوم تستمر فيه عملية السلام لا أن تتوقف".
للقلق الفلسطيني ما يبرره, على الأقل من خلال تصريحات معظم المسؤولين الإسرائيليين ابتداء من رئيس الحكومة، وانتهاء بقائد المنطقة الجنوبية، مرورا بقادة الجيش. فجميعهم أكدوا منذ البداية أن خطة الانفصال هي أحادية الجانب والمطلوب من الجانب الفلسطيني – كما قال وزير "الدفاع" الإسرائيلي شاؤول موفاز- أن يعمل على حفظ الأمن من جانبه وأن يمنع مهاجمة القوات الإسرائيلية أثناء عملية إخلاء المستعمرات- "المستوطنات". ولم ينس المقربون من موفاز تسريب خبر إلى وسائل الإعلام مفاده أن الوزير موفاز أوضح لوزير الداخلية الفلسطيني اللواء نصر يوسف أهمية أن تعمل السلطة على وقف إطلاق القذائف على "المستوطنات" من مناطقها وأن تعمل على أن يسود الهدوء قبل بدء خطة الانفصال. وبكلمات أقل دبلوماسية مطلوب أن تلعب السلطة دور الشرطي بالنسبة لإسرائيل، لأن الأخيرة لا تريد إعطاء الانطباع لأي كان بأنها خرجت من القطاع مرغمة بسبب ضربات المقاومة، لأن مثل هذه الصورة ستكون القاضية بالنسبة لحياة شارون السياسية الحافلة حيث سيقول عنه معارضوه إنه هرب من غزة بسبب قذائف القسام. ولتجنب مثل هذا الانطباع، فهناك احتمال بأن تقوم إسرائيل بعملية عسكرية كبيرة في القطاع بهدف "تعليم" الفصائل الفلسطينية، وخاصة حماس، "درسا" قبل الانسحاب. وفي هذا السياق، قال رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست يوفال شتانيس: "حتى يتم الانسحاب بهدوء فلا مناص من القيام بحملة سور واق ثانية، ولكن هذه المرة في قطاع غزة حتى ينشغل الفلسطينيون في أنفسهم بدلا من الانشغال بنا".
إن تخوف الفلسطينيين من "الانسحاب" الأحادي الجانب من قطاع غزة مشروع وله ما يبرره. فهذه العملية لا تمت لعملية التسوية بأي صلة بالرغم من أنها توحي للوهلة الأولى بأنها تبعد الاحتلال عن كاهل أكثر من مليون وربع المليون فلسطيني حيث أنها تشتمل على إخلاء "المستوطنات" وقواعد الجيش وانسحاب المستعمرين والعسكر مع أن القطاع سوف يبقى تحت السيطرة الإسرائيلية مع بقاء المنافذ إليه ومنه خاضعة للقيود الإسرائيلية المباشرة. ومع أن إخلاء "المستوطنات" خطوة إيجابية فإن إبقاء القيود على الحركة في غزة وإليها سوف يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي.
فالخطة الإسرائيلية تخلق جملة من الحقائق لا يمكن العدول عنها أو التفاوض عليها مثل احتفاظ إسرائيل بالسيطرة على المعابر البرية والبحرية في القطاع مما يحوله إلى سجن كبير. وبالإضافة إلى ذلك، ستستمر السيطرة الإسرائيلية الاقتصادية عن طريق احتكار إمدادات مياه الشرب والكهرباء والوقود. إن أسوأ ما في خطة الانسحاب الأحادي الجانب هو مقايضة إخلاء "مستوطنات" القطاع مقابل تعزيز "الاستيطان" في الضفة الغربية واحتمال مقايضة ضم الكتل "الاستيطانية" الكبرى في الضفة إلى إسرائيل بنقل أراض مأهولة بالسكان العرب الفلسطينيين في مدن مثل المثلث الشمالي وأم الفحم ووادي عارة إلى داخل حدود الدولة الفلسطينية. فإسرائيل تخطط لإسكان المستعمرين الذين سيتم إخلاؤهم من قطاع غزة في صحراء النقب الأمر الذي سيدفع إسرائيل إلى تطوير النقب وتقديم الحوافز والتشجيعات لهم بهذا الخصوص عبر استجلاب الأموال والمنح من قبل الولايات المتحدة والبنك الدولي. وتقدر الكلفة الأولية اللازمة لتطوير صحراء النقب بأكثر من عشرة بلايين دولار.
انتقدت السلطة الفلسطينية الخطة الإسرائيلية للانسحاب من قطاع غزة واعتبرتها خطة ذات طبيعة أحادية ومبهمة رغم مطالبتها منذ إعلانها في العام 2004 بالمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي, بخصوص المسائل التي ينبغي التنسيق بشأنها أثناء عملية الانسحاب وإخلاء "المستوطنات". بل وطرحت عدة تساؤلات على الجانب الإسرائيلي منها المدى الفعلي للانسحاب وهل ستشمل معابر غزة وكيف ستتم إدارتها؟، بالإضافة إلى تساؤلات أخرى حول المطار والميناء وتنقل العمال الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل.
وهناك قلق فلسطيني مشروع يتمحور حول الانفصال المحتمل للقطاع عن الضفة الغربية لتحويلها إلى وحدتين منفصلتين غير مترابطتين.