ظلت منطقة الخليج العربي محورا أساسيا من محاور الصراع والتنافس بين استراتيجيات القوى الدولية العظمى، ومجالا حيويا لتطبيقاتها الجيوبوليتيكية منذ بداية القرن الماضي. وكانت روسيا، سواء في الحقبة القيصرية أو السوفييتية أو في مرحلتها الراهنة، إحدى القوى الأساسية التي اهتمت بإيجاد نفوذ لها في المنطقة، بسبب عوامل عديدة: استراتيجية وسياسية واقتصادية. فكيف أضحت سياسة روسيا الاتحادية تجاه منطقة الخليج؟ وكيف ستكون مستقبلا؟ ذلك هو السؤال المركزي الذي يسعى للإجابة عليه كتاب "المتغيرات الداخلية والخارجية في روسيا الاتحادية وتأثيرها على سياساتها تجاه منطقة الخليج العربي في الفترة بين 1990 و2003"، لمؤلفته لمى مضر جريء الإمارة. وقد توزعت هيكلية الكتاب (236 صفحة من القطع المتوسط) في ثلاثة فصول- وخاتمة- يهتم أولها بدراسة المتغيرات المؤثرة في سياسة روسيا الاتحادية تجاه منطقة الخليج العربي، فيما يتناول الثاني هياكل صنع السياسة الخارجية الروسية وتوجهاتها نحو المنطقة. أما الفصل الثالث والأخير فقد خصص لدراسة السلوك السياسي الروسي تجاه منطقة الخليج.
في الفصل الأول يتطرق الكتاب إلى عدد من المتغيرات الداخلية، بما في ذلك المتغير الجغرافي حيث فقدت روسيا الاتحادية حدودها المشتركة مع منطقة الخليج إثر تفكك الاتحاد السوفييتي السابق واستقلال الجمهوريات التي كانت تحت حكمه. بينما ينبع المتغير الاقتصادي في هذه العلاقات من الإخفاق في معالجة التركة الاقتصادية الثقيلة التي أفرزتها الحقبة الشيوعية، والتي حاولت روسيا تجاوزها منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، مما شجع مئات الشركات الخليجية على الاستثمار في قطاعات روسية مختلفة. وفيما يتعلق بالمتغيرات العسكرية، فقد ورثت روسيا الاتحادية معظم الترسانة النووية السوفييتية، وزادت من توجيه صناعتها العسكرية نحو التصدير، وخاصة إلى الأسواق الخليجية. ولجهة المتغيرات الدولية، تعاملت روسيا الاتحادية مع سقوط نظام القطبية الثنائية بواقعية مفرطة؛ إذ قلصت من منافستها للولايات المتحدة الاميركية، خاصة في المناطق التي تعدها الأخيرة مجال نفوذ لها مثل منطقة الخليج العربي، إلا أن عوامل عديدة دفعت روسيا إلى انتهاج سياسة أكثر قومية واستقلالا عن السياسات الاميركية؛ أهمها الانتقادات التي قوبل بها الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن بعد ما اتضح أن المساعدات الغربية لروسيا لم تكن بالقدر الذي يسهل الإصلاح الاقتصادي والسياسي في البلاد، كما أثار توسع حلف شمال الأطلسي شرقا ليضم عددا من الجمهوريات السوفييتية السابقة، وكذلك انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ البالستية، مخاوف واسعة لدى الجانب الروسي، فردت موسكو بالعمل على تأمين مجالها الحيوي الإقليمي متمثلا في دول الكومنولث الروسي، وعززت علاقاتها مع إيران من منطلق الاتفاق على ضرورة التصدي للنفوذ التركي والجهود الأميركية للسيطرة على نفط بحر قزوين.
لكن من المسئول عن رسم السياسة الخارجية الروسية؟ للإجابة على ذلك التساؤل يتناول الفصل الثاني من الكتاب أهم الهياكل والمؤسسات المشاركة في صنع السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية، ويقسمها إلى هياكل رسمية وأخرى غير رسمية؛ تتكون الأولى من جناحين أولهما السلطة التنفيذية ورئيسها؛ حيث يجعل دستور 1993 من الرئيس مركز ثقل أساسيا في النظام السياسي لروسيا الاتحادية بسبب الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها، لذلك يهتم الكتاب بدراسة دور الرئيسين بوريس يلتسن وفلاديمير بوتين اللذين تعاقبا على رئاسة روسيا منذ عام 1991 في صنع السياسة الخارجية الروسية. أما الجناح الثاني فهو السلطة التشريعية الروسية التي يحلل الكتاب علاقتها مع السلطة التنفيذية، مستنتجا أن التحول في أولويات السياسة الخارجية الروسية من التوجه نحو الغرب إلى التوجه نحو بناء سياسة خارجية مستقلة وأكثر إثباتا للذات، هي جميعا أمور نتجت عن تعاظم نفوذ التيارين الشيوعي والقومي المتطرف وتراجع التيار الغربي.
ويتناول الفصل الثالث سلوك السياسة الخارجية الروسية عبر ثلاثة محاور؛ أولها دراسة الإدراك الروسي لأمن الخليج العربي، لتبين المؤلفة أن عناصر التصور الروسي للأمن والاستقرار في منطقة الخليج؛ هي ذاتها أسس التصور السوفييتي لأمن المنطقة منذ مبدأ بريجنيف (1980)، وإن اختلف الدافع من أيديولوجي إلى اقتصادي واستراتيجي. أما في المحور الثاني حول السلوك الروسي تجاه العراق، فتبين المؤلفة أن انتقال روسيا من سياسة تأييد الولايات المتحدة خلال حرب الخليج الثانية (1991)، نتيجة خضوعها للتيار الموالي للغرب، إلى سياسة شبه متوازنة منذ نهاية عام 1993، فتعود إلى دوافع الضغط على الولايات المتحدة لمساومتها، وإلى المصالح الاقتصادية متمثلة في الديون والنفط والعمالة الروسية. وبينما ترى المؤلفة، في المحور الثالث، حول السلوك الروسي تجاه إيران، أن أهم دوافعه هي: منع إيران من القيام بأي أعمال قد تضر مصالح روسيا في آسيا الوسطى، وزيادة الصادرات الروسي