يشهد الجنس البشري زيادة مطردة في نسبة انتشار الأمراض السرطانية بين أفراده. هذه الحقيقة المؤسفة عجز العلماء عن كشف سببها المباشر، وإن كان يوجد الكثير من الآراء والأفكار التي تحاول جميعها، طرح تفسير مقبول علمياً وسائغ منطقياً. فمثلاً، يؤمن البعض بأن الأمراض السرطانية لم تزدد بشكل فعلي وإنما بشكل نسبي فقط. أي أن معدلات حدوثها لم تزدد، وما ازداد فقط كان معدلات التشخيص، بفضل تطور وسائل التكنولوجيا، وارتفاع مستويات الرعاية الصحية حول العالم.
الرأي الآخر يرى أن الظروف البيئية التي أصبح الإنسان الحديث يعيش في كنفها، منذ بدايات الثورة الصناعية وحتى الآن، دفعت بالكثير من الملوثات الكيميائية والفيزيائية في طعام الإنسان وشرابه، وأحياناً حتى في الهواء الذي يستنشقه، وهذه الملوثات معروف عنها تسببها في تحول الخلايا الطبيعية إلى خلايا سرطانية. بينما يطرح بعض آخر وجهة نظر مختلفة تماماً، ترى أن ازدياد انتشار الأمراض السرطانية هو نتيجة نجاح البشر في إطالة متوسط أعمارهم. فحسب وجهة النظر هذه، تمكن الجنس البشري خلال القرون القليلة الماضية، عبر رفع مستوى المعيشة، والارتقاء بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، والوصول بالطب والعلاج إلى مراحل متقدمة، من إطالة متوسطات أعمار أفراده. فعلى سبيل المثال، كان متوسط العمر البشري في العصور الوسطى لا يتخطى غالباً نهاية عقد الأربعينات، بينما في القرن الحادي والعشرين، أصبحت الكثير من الشعوب حول العالم تسجل متوسط أعمار في منتصف السبعينات. ويستطرد أصحاب هذه النظرية زاعمين أن الجسم البشري، غير مصمم للحياة كل هذه الفترة، وأن الأمراض السرطانية هي أحد الأعراض الجانبية للشيخوخة الفاحشة.
ورغم أن الكثير من الأمراض السرطانية تشهد بالفعل زيادة ملحوظة في معدلات انتشارها مع التقدم في العمر، إلا أن هذه النظرية تعجز عن تفسير زيادة انتشار الأمراض السرطانية بين الأطفال وبقية الفئات العمرية السابقة للشيخوخة. ولذا، ومما لاشك فيه، أن تفسير زيادة انتشار الأمراض السرطانية، لابد وأن يكون فسيفساء من العوامل والظروف، تجمع الآراء السابقة جميعها وبنسب متفاوتة، بالإضافة إلى عوامل وظروف أخرى لم يدركها العلم والعلماء حتى الآن.
وبغض النظر عن أسباب زيادة انتشار الأمراض السرطانية، فالحقيقة الأساسية هي أنها تتسبب حالياً في وفاة ملايين البشر كل عام. هذه الحقيقة خلصت إليها دراسة في منتصف شهر فبراير الماضي، أجرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية. وأظهرت هذه الدراسة أن في أوروبا وحدها، والتي تعتبر من أكثر مناطق العالم تقدماً على صعيدي الطب والرعاية الصحية, تصيب الأمراض السرطانية 2.9 مليون شخص كل عام، ويلقى 1.7 مليون منهم حتفهم سنوياً. وبين دول القارة المختلفة، احتل سرطان الرئة رأس قائمة أكثر الأورام الخبيثة انتشاراً وفتكاً بضحاياه، حيث كان مسؤولاً عن أكثر من 13% من مجموع حالات الإصابة بالسرطان، وعن 20% من الوفيات، والتي كان معظمها بين المدخنين. بينما احتل سرطان القولون المركز الثاني، حيث كان مسؤولاً عن 13% من مجموع حالات الإصابة أيضاً، وعن 12% من الوفيات. بينما كان سرطان الثدي أكثر الأمراض الخبيثة انتشاراً بين النساء، حيث كان مسؤولاً عن 27% من حالات السرطان بين النساء، وعن 17% من الوفيات بينهن.
وتبذل حالياً جهود حثيثة، بهدف تشخيص الأمراض السرطانية بشكل مبكر قدر الإمكان. فعلى الرغم من أن الأمراض السرطانية تتسبب في كم هائل من الوفيات حول العالم سنوياً، إلا أنه ممكن في الكثير من الحالات إنقاذ حياة المرضى، إذا ما تم التشخيص مبكراً. ولكن تكمن المشكلة في أن الكثير من أنواع السرطان، لا تظهر أعراضه إلا في مراحله المتأخرة، حينما يصبح العلاج عديم الجدوى، أو على الأقل ليس بنفس القدر من الفعالية. ولذا يعتبر التوصل إلى فحص روتيني، يمكنه الكشف عن السرطان في مراحله المبكرة، حتى يمكن علاجه وتخليص المريض منه قبل أن يستفحل وينتشر إلى الأعضاء الأخرى، هو جوهرة التاج التي تسعى للفوز بها المئات من المراكز الطبية المتخصصة حول العالم. هذه الجوهرة، لابد وأن تكون في شكل فحص بسيط، سهل التنفيذ، منخفض التكاليف، وفائق الفعالية في التمييز بين وجود المرض من عدمه. فمن غير هذه المواصفات، لن يمكن تطبيق الفحص على شريحة كبيرة من المجتمع، مما يجعله عديم الفائدة كفحص مسحي مبكر للجميع.
مثل هذا الفحص موجود بالفعل في بعض أنواع الأمراض السرطانية، كما هو الحال مع سرطان البروستاتا. ففي هذا النوع من السرطان، يمكن من خلال تحليل دم بسيط الكشف عن وجود ارتفاع في نوع خاص من البروتينات، يترافق ارتفاعه غالباً مع الإصابة بسرطان البروستاتا. ويمكن أيضاً استخدام الأشعة الخاصة على الثدي "الماموجرام"، للكشف عن حالات الإصابة بسرطان الثدي في مراحلها المبكرة، وحتى قبل أن يتم الكشف عنها عن طريق الفحص الذاتي. وهو ما دفع الكثير من دول العالم إلى توفير هذا الفحص مجاناً، و