بعيداً عن المناورة والمواربة تعالوا نقترب كثيراً من واقعنا العربي ونحن نناقش مسألة التطرف والعنف والإرهاب التي تكاد تؤطر صورة المجتمعات العربية ويمكننا تخيل حالة البلبلة والتدافع على صفيح ساخن وربما الغليان في مرجل الأحداث السياسية والاقتصادية. كيف نبحث عن حلول لمشكلات الشباب في محاولة لإعادتهم إلى جادة الصواب بعد أن استطاعت توجهات وأفكار وتيارات أيديولوجية جعلهم وقوداً لمعركة لما ينقشع غبارها بعد؟
كيف نبحث عن حلول وصدمة المواطن العربي صدمة مزدوجة وهو يئن بين شقي الرحى ومتناقضات الطرح السياسي؟ ويعيد طرح الأسئلة البديهية بحثاً عن إجابات مقلقة محزنة وشعارات لم تعد مقبولة في عالم الانفجار المعلوماتي والمتواصل الأطراف تتسرب فيه الأرقام والأخبار لتكون حججاً دامغة على الأنظمة ومريديها. بالعربي الفصيح كيف يمكننا أن نصدق صحفياً كالديك يصيح كل صباح تقريبا مؤكدا أنه لا يدافع عن النظام العربي ولا يحاول أن يبرر أخطاء بعض الموظفين الصغار في مكتب الجوازات أو مصلحة الضرائب لأنه يثق بأن المسؤول الكبير الذي بعث له بتذكرة سفر وإقامة لشهر في فندق فاخر لم يكن إنساناً بل إن انتماءه للملائكة أقرب. بالعربي الفصيح هل يحق لنا أن نصيح ونقول لهذا الصحفي المقتات على المائدة إننا نعرفك أكثر مما تعرف نفسك وتاريخك ليس ناصع البياض كما تدعي وقبل أن تغرر بقراء يعتقدون أنك صاحب قلم شريف راجع حساباتك البنكية وقل لنا إن كنت شجاعاً كم كان ثمن آخر مقال نشر لك!
بالعربي الفصيح يسير موكب رمز من رموز النظام في شارع تنقله عين الكاميرا كأحد أجمل شوارع الدنيا نظافة وتنظيما وجمالا ولكن سكان البيوت التي تقبع خلف الشارع يحسون بنوع من التناقض بين واقعهم وصورة شارعهم، الصور مزدانة بسلال الزهور في عز الصيف والبيوت الخلفية التي تقبع خلف لوحات تحجب الرؤية تشاهد فيها مجموعة من أكواخ الصفيح بينما مياه الصرف الصحي يلعب فيها الصبية المصابون أصلاً بالسل والزهري وشباب يسعل ويئن تحت ألم الإيدز في الشارع تنقل العدسات صورة لمقهى الإنترنت الذي يقدم القهوة الفرنسية وفي الخلف مطعم تمرح في جنباته كتائب الصراصير ويخرج العامل الهندي جرذاً وقع في قدر إعداد البرياني! بالعربي الفصيح دولة عربية تقدر عائداتها من الغاز بأكثر من مليار دولار شهرياً ولا تتمكن من شراء مصل للتطعيم ضد الجدري وتناشد الهيئات الدولية لإنقاذها من الكارثة. بالعربي الفصيح دولة عربية تتبرع بملغ عشرة ملايين يورو لإنقاذ ضفادع وسلاحف مدينة فنلندية أو روسية بينما ينهار سقف أحد المستشفيات فيها على رؤوس الساكنين ويموت كل يوم أفراد أكثر من عائلة ولكن لا بأس من إنقاذ الضفادع! بالعربي الفصيح تبدو مطالبتنا بإدخال الحاسوب والسبورة الذكية في المدارس العربية نوعاً من الترف والمظهرية الكاذبة وخاصة عندما نتحدث عن 65 مليون أمي عربي! تصورا معي 65 مليون إنسان في الوطن العربي لا يعرفون الفرق بين كتابة نعم ولا، وبالطبع هم لا يجيدون قول كلمة لا عندما يتعلق الأمر باختيار الحاكم وتوريثه الحكم ونهب الثروات.
بالعربي الفصيح من سمح للبعض بسرقة ونهب أموال الشعوب تحت كل الذرائع مرة بتبرير الحرب ومرة بتمرير الاتفاقية ومرة بترويع المعدمين ومرة بتحقير الفكر، راجعوا معي ومن واقع تقارير الخبراء ونسأل من سرق الأموال المودعة في المصارف العربية وطار، أهم فقط حفنة من التجار أو الشطار؟ من الذي سمح لأسواق المال بأن تسرق من جيوب الفقراء تحويشة العمر ومن حرم الفقير من خدمة العلاج المجاني والتعليم المجاني والقبر المجاني إن وجد قبر لم يؤجر بعد لمدة 99 سنة! بالعربي الفصيح لماذا نعيش تناقض الطرح والممارسة ونخشى النقد ونصادر الفكر ونمتهن السحل الفكري منهجاً والعزل الجماعي سمة ونطرد الأبناء قهراً إلى موانئ التيه والغربة ونسميهم خونة وجواسيس. بالعربي الفصيح متى يمكن أن يكون لصوتنا أثر وجودي يخشانا المسؤول عندما يخطئ ويحاسبنا المسؤول عندما نخطئ؟ متى يشعر الطبيب أن واجبه تقديم الرعاية لأنه يتقاضى راتبه لتنفيذ هذه المهمة الإنسانية كما يدعي؟
بالعربي الفصيح تقلقني كثيراً وتسرق النوم من عيني تصريحات معالي وزير العمل وأرقامه المخيفة التي تشير إلى أن نسب المواطنين إلى الوافدين من العمالة الرثة. أسأل معاليه أين مكمن الخلل وأين الحل؟ وإلى متى؟ هل نسكت حتى نتحول إلى أقلية تعيش في معسكرات معزولة حتى نتلاشى ويترشح آسيوي لدخول معترك الحياة السياسية بينما يهرب من جمع أمواله في هذه الغفلة ليكون مواطناً أميركياً أو نيوزيلندياً؟! بالعربي الفصيح أسأل هل تلقى الأطروحات والأفكار التي تكتبها الأقلام الواعية والمدركة لجسامة الخطر المحيط بالوطن وناسه ومستقبله هل تلقى أذنا صاغية أم أن ألواح الزجاج وفواصل الجبس وهدير المكيفات وصرير ماكينات عد الدولارات قد أسكتت صوت الضمير وأوقفت رؤية التفكر بمستقل الوطن.
بالعربي الفصيح قدمت سلطنة عُمان درساً شفافاً لقدرة التراب على التسامح إذ كان العفو