إن جيشاً يعتمد على المتطوعين بشكل كلي لن ينجح أبدا. والمشكلة هي عدم وجود ما يكفي من الناس مستعدين للاختيار بمحض إرادتهم المشاركة في مشروع عسكري يعرفون أنه ليس من المستبعد أن يقتلوا فيه بالرصاص أو يفجروا أو يحرقوا حتى الموت أو يعانوا من أي مصير مأساوي آخر. وقد يكون جيش المتطوعين مفيداً في حالات السلام أو في حالات الاندحار العسكري للعدو كما في حرب الخليج الأولى، لكن عندما يعْلق الجنود في حرب طويلة تسفر عن عدد كبير من الجرحى، وعندما يبدأون في النظر خلفهم عسى أن تصلهم التعزيزات من السكان المحليين دون جدوى, حينها يبدأ اليأس في التسرب إليهم.
وبالرغم من المساعي الحثيثة التي تقوم بها وزارة الدفاع في التخفيف من معايير التجنيد الصارمة والزيادة في العلاوات، إلا أن الجيش عجز لمدة شهور في الوصول إلى حصص التجنيد المطلوبة. وإذا ألقيت نظرة على أميركا فإنك سترى الصقور الذين يقرعون طبول الحرب، لكنهم يريدون من أطفال الغير أن يخوضوا حروبهم. والمشكلة بالنسبة للجيش الآن أن معظم الأميركيين شاهدوا ملياً تلك الصور القادمة من ساحة المعركة حيث الناس يتعرضون للتفجير في بغداد أو التشوه في الفلوجة. كما أن الأميركيين يعرفون جيدا أن المئات من الجنود يعودون محملين في توابيت إلى الوطن, فيما الآلاف يعودون إما بأذرع و أرجل مبتورة أو أصيبوا بشلل أقعدهم عن الحركة أو تعرضوا لحروق مروعة.
غالبا ما تبدو الحرب على أنها فكرة جيدة عندما يتكلم عنها السياسيون بصورة مجردة، خصوصا مع فورة الوطنية التي تسري في عروقهم والتي يمزجونها مع الأكاذيب والافتراءات. لكن ما إن تطل الحرب بدمائها وأشلائها حتى يختلف الوضع. ولإقناع الأميركيين بالحرب قام المسؤولون بالتهوين من مخاطرها. ولازلت أذكر كيف طمأن نائب الرئيس ديك تشيني الأميركيين بأنهم سيستقبلون في العراق كـ"محررين".
كما أن كينيث أديلمان من هيئة السياسة الدفاعية في البنتاغون قال إن الحرب ستكون "جولة خفيفة"، أما وزير الدفاع دوانلد رامسفيلد فقد صرح في حديث أدلى به لإحدى الإذاعات "لا أستطيع أن أقول لكم هل سيستغرق استعمال القوة خمسة أيام أم خمسة أسابيع أم خمسة أشهر، لكنه بالتأكيد لن تدوم المدة أكثر من ذلك". وبالطبع لم تشر الجوقة المحرضة على الحرب إلى الجنود من الرجال والنساء الذين يعودون إلى الوطن موتى أو مقعدين، كما لم تتم الإشارة إلى ضرورة مشاركة شرائح عريضة من الشعب في تقديم التضحيات.
مع تردي أوضاع الحرب ومطاردة الجيش للمجندين المحتملين بإلحاح شديد ومقلق، بدأت هذه المحاولات اليائسة تفرز نتائج عكسية تماما, مما ينذر بتآكل قدرة البلد على شن الحرب دون اللجوء إلى فرض قانون الخدمة العسكرية. وفي الوقت الذي ينخفض فيه عدد المجندين في صفوف الجيش فقد انخرط العديد من مسؤولي المدارس العمومية في مقاومة الأساليب الفظة التي يستعملها مسؤولو التجنيد في محاولاتهم اليائسة لاستقطاب طلبة المدارس. وتقول ساندرا لو من مدرسة "سنوما فالي" بكاليفورنيا: بدأت أتلقى مكالمات هاتفية وزيارات إلى الاجتماعات المدرسية من أهالي يعانون من مضايقات لإقناع أبنائهم بالالتحاق بالجيش. وتضيف "ساندرا لو" أن بعض الآباء بدأوا يشكون من تواجد مسؤولي التجنيد الدائم في بعض المدارس، بل إنهم يوزعون بعض المواد على الطلبة لا يرغب الأهالي في إدخالها إلى بيوتهم كالألعاب الإلكترونية العنيفة.
لكن ما أثار فعلا انزعاج "ساندرا لو" هو تلك المحاولة التي قامت بها وزارة الدفاع بالاشتراك مع شركة خاصة، تم الكشف عنها الأسبوع الماضي، لوضع قاعدة بيانات تشمل 30 مليون شخص ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة تحتوي على تفاصيل حول أرقام التأمين الاجتماعي ومعلومات أخرى حول الانتماء العرقي والعلامات المدرسية، بالإضافة إلى أرقام الهواتف. وبالطبع سوف يستغل البنتاغون هذه القاعدة من البيانات لحث المزيد من الشباب على الانضمام إلى صفوف الجيش. بيد أن "ساندرا لو" تعتبر أن هذه الخطوة من وزارة الدفاع "قد تجاوزت المدى".
وكباقي الأهالي المتضررين من مضايقات مسؤولي التجنيد لأبنائهم وإلحاحهم المستمر للانخراط كمتطوعين في صفوف الجيش قامت "ساندرا لو" بإنشاء موقع إلكتروني على الإنترنت يرمي إلى تقديم النصح إلى الآباء وتوعيتهم حول حقوقهم وحقوق أبنائهم. وقد استطاع هذا الموقع أن يجذب اهتمام العديد من الأهالي المتبرمين من الأساليب المتشددة التي يلجأ إليها الجيش لإغراء طلبة المدارس. وبعد استطلاع آراء الأهالي ممن يرتادون الموقع بانتظام تبين أن فائدته كانت فعلا كبيرة في التعريف بحقوقهم وكيفية تفادي الضغوط التي يمارسها البنتاغون على الطلبة.
والأكثر من ذلك أن الحرب المشتعلة حاليا في العراق والتي لا يبدو أن نهايتها وشيكة أصبحت تدق إسفينا بين الشعب الأميركي. فموضوع الحرب بدأ يثير انقسامات واضحة بين الجمهور الذي يخشى من استمرارها طويلا وارتفاع تكاليفها البشرية والاقتصادية، خصوصا وأنه يمولها من الضرائب التي يدفعها للحكو