تحت عنوان "هل أصبحنا جميعا فرنسيين" نشرت "وجهات نظر" يوم السبت، مقالا مترجما للكاتب والمعلق الأميركي الشهير توماس فريدمان حول مسألة الحمائية (protectionism) التي تحاول الولايات المتحدة الأميركية انتهاجها لحماية بعض منتجاتها المحلية من منافسة السلع المستوردة. وهو يورد في هذا السياق مثالا حيا يخص ظهور دعاوى ترفض التوقيع على اتفاقية "كافتا" وهي اتفاقية للتجارة الحرة أبرمتها واشنطن مع بعض دول أميركا الوسطى، بمقتضاها يتم فتح أسواق البلدان الموقعة أمام بضائع البلدان الأخرى وعدم فرض رسوم جمركية عليها مما يسهل عملية التجارة. والغريب أن الكونجرس رفض التوقيع على الاتفاقية جراء جماعات الضغط التي لا تريد لسلع أخرى الدخول إلى السوق الأميركية ومنافسة منتجاتها. وهو ما يتعارض مع السياسة الليبرالية التي تدعو إليها أميركا وتحاول تسويقها في العالم، حيث تعتبر الليبرالية هي المرحلة الأخيرة من التطور البشري ولا يوجد نظام اقتصادي أفضل منها بعد انهيار النموذج الاشتراكي.
لكن يبدو أن هذه المقولات صالحة فقط طالما تخدم المصالح الأميركية، وما أن نأتي إلى تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل والسماح بدخول سلع أجنبية إلى السوق الأميركية حتى ينقلب المنطق ويظهر نفاق أميركا أمام العالم. وبالرغم من أن "فريدمان" يبدأ مقاله بالتندر على الفرنسيين الأغبياء الذين وصلت بهم الدرجة إلى رفض الدستور الأوروبي وعدم استعدادهم للتضحية بدولة الرفاه الاجتماعي، إلا أنه وجب هنا أن نذكر السيد فريدمان أن الشعب الفرنسي كان على الأقل واضحا مع نفسه منذ البداية ولم يطلق النظريات حول قدرة السوق وحدها على تنظيم حياة البشر وخلق فرص الشغل كما تزعق بذلك أميركا ليل نهار، بل كانت فرنسا دائما تعبر عن خشيتها من الليبرالية المتطرفة والاختلالات الاجتماعية الناتجة عنها. ولم يأت موقف الشعب الفرنسي إلا انسجاما مع مبادئه، عكس الأميركيين الذين يحاولون إقناع الناس بفضائل الليبرالية، لكنهم أول من ينقض تلك المبادئ، ويخرج عنها مما يدلل مرة أخرى على زيف الدعاوى الأميركية.
توفيق العلمي- باريس