في يوم السادس من نوفمبر الجاري، ألقى الرئيس بوش خطاباً مثيراً أمام مؤسسة الصندوق القومي للديمقراطية ، وقد دعا فيه إلى تبني استراتيجية تقدمية نحو الحرية في الشرق الأوسط · وقد ساق بوش في ذلك حجة مفادها أن 60 سنة قام فيها الحكام الغربيون بتبرير ومساعدة حدوث الافتقار إلى الحرية في الشرق الأوسط، لم تكن لها أية فائدة في تحقيق الأمان لنا · وقد أثنى بوش على بعض البلدان العربية لقاء إصلاحاتها السياسية التي جرت في الآونة الأخيرة· وقد خص بوش بالمديح كلاً من المغرب، البحرين، عُمان، قطر، اليمن، الكويت، الأردن والمملكة العربية السعودية؛ وحظيت مصر أيضاً من الخطاب بالمديح لقاء تحقيق السلام مع إسرائيل، غير أنها نالت أيضاً شيئاً من اللوم ومن المطالبة بـ تبوؤ دور الريادة في الطريق إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط · وفي سياق التزامه بالمزاج الجديد السائد في إدارته والكونغرس، وهو مزاج بات أشد عدوانية تجاه سوريا، وضع بوش نظام بشار الأسد في خانة واحدة مع النظام البعثي العراقي، وأشار إلى وجود إرث من التعذيب والقمع والبؤس والخراب في البلدين· أما فيما يتعلق بإيران، فإن الرئيس بوش قد نبّه إلى وجوب انصياع النظام الحاكم في طهران لمطالب الشعب الإيراني بالديمقراطية، وإلاّ فإن النظام سيخسر ادعاءه بشرعية زعامته ·
وقد لقي الخطاب مديحاً واسع النطاق من مؤيدي بوش المنتمين إلى تيار المحافظين الجدد، غير أنه لقي أيضاً المزيد من التشكيك بين مراقبي الشرق الأوسط التقليديين في كل من الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة· على مستوى معين، نجد أن الخطاب معتدل، إذ ليس فيه عنصر برامجي، إضافة إلى أن الكثير من عظات ومحاضرات بوش الأخلاقية قد جرى اعتناقها وتبنيها في تقرير عام 2003 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية ، وهو التقرير المتعلق بالتنمية الإنسانية العربية والذي قام بكتابته متخصصون عرب ذوو مكانة متميزة· ويحث التقرير المذكور العالم العربي على توسيع نطاق الحرية السياسية وحقوق المرأة والمعرفة في كل أرجاء الشرق الأوسط ·
لكن الخطاب، على مستوى آخر، يقدم مفارقة تتجلى في أن تعريف بوش للشرق الأوسط غامض ومطاط، إذ أنه بعيد عن الوضوح ويتوسع نطاقه ليشمل أفغانستان· وهنا يسوق بوش حجة مفادها أن الشعب الأفغاني، بوجود القيادة الثابتة للرئيس حامد كرزاي، يقوم ببناء حكومة عصرية ومسالمة · لكن ما لا يصرّح به الخطاب أن قدرة الولايات المتحدة وحلف الناتو والمؤسسات الأخرى الساعية إلى بناء ديمقراطية في أفغانستان، إنما هي قدرة تبقى مرهونة إلى حد بعيد بالتعاون الأمني مع أوزبكستان وباكستان المدعوم بمباركة من روسيا· ويأتي ذلك باعتبار أن أوزبكستان وباكستان محكومتان بنظامين فاشستيين؛ ويضاف إلى ذلك أن زعيمي البلدين قد بقيا، حتى 11 سبتمبر من عام ،2001 عرضة لانتقادات حادة من حكومة الولايات المتحدة ومن كثير من الناشطين في مجال حقوق الإنسان وذلك بسبب استخفافهما بالديمقراطية ومبادئ الحرية· أما روسيا بوتين ، فمن الصعب اعتبارها مثالاً ونموذجاً للديمقراطية، وذلك بحسب ما أوضحته أحداث الأسابيع القليلة الماضية· وقد تبين أن نظام بوتين يستخدم أساليب أوتوقراطية لا ديمقراطية في حكم روسيا، الأمر الذي يثير قلقا شديداً لدى الأوساط التجارية الدولية ولدى المهتمين بمستقبل روسيا السياسي· وتوخياً للاختصار أقول إن الحقائق على الأرض، لدى أخذ الاعتبارات العالمية في الحسبان، تتكلم بصوت أعلى من صوت الخطاب الصادر عن البيت الأبيض، مهما كان مقدار حسن النية الظاهر عليه·
وفي أسس المأزق الراهن، نجد العبارة المبتذلة البالية والتي تقول كن حذراً فيما تتمنى · ذلك أن بوش يعترف بأن الديمقراطيات تستغرق وقتاً لكي تزدهر، كما يعترف بأن الديمقراطيات ليست كلها متماثلة ومتشابهة· لكن ليس من الواضح، على سبيل المثال، ذلك الادعاء بأن مزيداً من الحكومات النيابية في الشرق الأوسط ستكون أقل مناهضة للسياسات الأميركية من الحكومات الحالية القائمة، حيث رفضت تركيا، وهي الدولة الاسلامية الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، رغبة أميركا في التعاون العسكري التركي في الحرب على العراق، ولو أن الرفض أتى في ثوب تقني تخصصي·
وقد نجحت الولايات المتحدة في سعيها إلى الحصول على التعاون العسكري من البلدان اللاديمقراطية في المنطقة، والتي انتظمت فيما يسمى بـ ائتلاف الصامتين · وما يُخشى منه بالطبع أن الإفراط في دفع الديمقراطية دفعاً بأسلوب سريع وأخرق أكثر مما ينبغي، في بلدان مثل السعودية أو مصر، قد يؤدي إلى توليد حكومات أسوأ بكثير على المصالح الأميركية، وهذا ما حدث في إيران عام 1979 عندما مارست إدارة كارتر ضغوطاً شديدة على الشاه لدفعه في طريق الإصلاح· وقد كانت نتيجة ذلك قيام الثورة، وانتهى المطاف بالعالم إلى مجيء آية الله الخميني· والمشكلة هنا أن نطاق مساعي بوش يأتي في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة من انعدام شعبيتها في الشرق الأوسط وفي كثير من مناطق العالم الأخرى· وفي يوم