بينما كان الرئيس الأميركي جورج بوش يلقي خطبته مقترحاً الديمقراطية على بعض العالم العربي، ومهدداً بها بعضه الآخر، كان المثقفون اللبنانيون منشغلين بخطاب مختلف· فقبل ثلاثة أيام على الكلمة التي ألقيت في واشنطن، تحدث في العاصمة اللبنانية، وفي المهرجان الثقافي الذي أقامته مؤسسة أشكال ألوان الشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس)· ومنذ تلك اللحظة، اندلعت ألسنة نار لم يعرف مثلها أي سجال لبناني سابق·
والحال أن الحدث لم يكن حدثاً لبنانياً بحتاً، وإن كانت بيروت أهم موضوعاته، والمثقفون اللبنانيون رموزه وأبطاله· فالقضايا التي أثارها السجال شملت فهماً معيناً للثقافة والتجارة والمدن، كما ضوت فيها بعض أصداء الحرب اللبنانية وخلافاتها، مما ظن كثيرون أنها اضمحلت وطواها النسيان·
لقد أجمع المعنيون بحق على أن أدونيس قسا على مدينة بيروت حين نفى عنها صفة المدينة نفسها وعدّها بين أسوأ المدن العربية· وبدت المفارقة صارخة بين نعوته وأحكامه من جهة، وبين القاعة التي استقبلته بالتصفيق البالغ التهذيب في قاعة مسرح المدينة من جهة أخرى· فحشدٌ كهذا لا يزال غير مألوف في معظم البلدان العربية ما لم تكن الدولة وقطاعها العام أو وزارة ثقافتها وراءه· أما العاصمة اللبنانية حيث للمبادرة الحرة تقليد قوي نسبياً، فلا تزال تستطيع أن تنتج، ولو في لحظات كالحة، بعض تعابير الاختلاف والتعدد مما شاء الشاعر الكبير ألا يراه·
وهو أيضاً، وبما أثار امتعاضاً ملحوظاً بين المثقفين اللبنانيين، آثر أن يتجاهل العوامل غير اللبنانية وراء الظاهرات السلبية، كائناً ما كان الاختلاف في تحديد حجمها وطبيعتها· فإذا كان القول إن الآخرين هم الذين تسببوا بالحرب اللبنانية خطأ مصدره إعفاء النفس من مسؤوليتها، فمن الخطأ أيضاً تجاهل كل دور غير لبناني وراء ما آلت إليه بيروت، ولبنان استطراداً·
وقد بدا لكثيرين من المثقفين أن صوت أدونيس كناقد ومثقف صوت قديم ووعظي، لا يغير في ذلك ترشيحه لجائزة نوبل للآداب التي كاد بالفعل ينالها· فالمدينة المثال، كما صورها، أقرب إلى تخطيط نظري شامل وعام من النوع الذي يشي بالانقطاع عن الحياة كما هي، وينم عن الرغبة في إملائها على الواقع من منصة أعلى· أما نبذ التجارة ووضعها في موضع المقابلة مع الثقافة، فهو أيضاً من صنف الكلام الأخلاقي العتيق الذي يغيب عنه، من جهة، دور التجارة تاريخياً في استيلاد الثقافة وإطلاقها، كما يغيب، من جهة أخرى، الميل الكوني الراهن، إلى ربط النشاط الثقافي بحركة السوق·
وأما التنديد بالطائفية وبـالكنيسة والجامع فهو أيضاً، وعلى رغم حسن النية وراءه، كلام تبشيري يسهو عن خصوصيات التعددية اللبنانية· ذلك أن ثمة مسافة تفصل بين الطموح المشروع إلى الحد من المفاعيل السلبية للطائفية، وبين التخلص من الطائفية بالمعنى الذي حلم ويحلم به بعض الانقلابيين العسكريين· وهنا بدا للكثيرين تناقض أدونيس جلياً بيّناً: ما بين رغبته الحقيقية في التعددية التي كتب هو نفسه الكثير عنها في سابق سنواته، وما بين إشاراته الاستئصالية إلى الطائفية والطوائف· وأمام تناقضات كهذه، وغيرها، ذكّر بعض من ساجلوا أدونيس بقوميته السورية إبان شبابه والتي لم يبرأ بعد من طوباوياتها الأيديولوجية، خصوصاً نزعة الدمج والصهر للشعب والأمة كما تجسدت في تلك الطوبى· وغمز بعض آخر من مواقفه حيال السياسة السورية في لبنان منذ 1976 والتي تراوحت بين التأييد وغض النظر·
ولوهلة يمكن القول إن تصدي المثقفين اللبنانيين لأدونيس، وهم ينتسبون إلى سائر الأديان والطوائف، إنما نمّ عن ولادة وحدة وطنية لبنانية على الصعيد الثقافي· إلا أن هذا لا يلغي التفاوت القائم داخل هذه الوحدة، فضلاً عن أن أدونيس ليس عدو هذه الوحدة، ولا هو رامسفيلد-الثقافي الذي جاء يملي إرادته مسلحاً بأمجاد حققها في الخارج· ففي ما خص التفاوت، ظهر بين الكتّاب من أخذ على أدونيس مواقفه من بيروت مركزين على كيفيات النظر في المعاني التي تطرقت إليها كلمته كـالمدينة والثقافة والتجارة··· إلخ· وقد ذهب أحدهم، وهو الشاعر عباس بيضون الذي يرأس القسم الثقافي في صحيفة السفير، بعيداً في محاولته قطع الطريق على أية شوفينية يمكن للسجال أن يبعثها·
وهناك في المقابل من أخذته الحدّة في الدفاع عن بيروت بصفتها عرضة لـالاستباحة· ولم يترفع أحدهم عن التشكيك بأدونيس شاعراً وكاتباً وإنساناً، مع الغمز بأشكال متعددة من أصله السوري· ولم يفت القراء الأذكى، لدى قراءة هذا النقد التشهيري، ملاحظة الحسد والضغينة وراء بعض النصوص المكتوبة بهذه الروحية· وكان يمكن، في النظر إلى الصوتين، رصد الملامح السوسيولوجية التي تميز بينهما، والمواضي الحزبية والفكرية المختلفة التي صدر كل منهما عنها، والتي لا تكفي اللبنانية لتوحيدها في خانة واحدة·
وقصارى القول إن اللبنانيين عاشوا سوبر ستار آخر مع فارق مهم· ففي مقابل تلك المعركة التي دارت في نطاق الثقافة الشعبية ونقلها التلفزيون، دارت هذه المعركة في نطاق الثقافة العليا وعلى صف