يستطيع المراقب والمتابع للإعلام العربي المقروء والمشاهد والمسموع، خلال السنوات القليلة الماضية، أن يلاحظ دخول هذا الإعلام بدرجات تتفاوت بين منبر إعلامي وآخر في مرحلة جديدة، يمكننا تصنيفها على أنها مرحلة الانسلاخ من الثقافة السياسية الشمولية. هذه المرحلة تمثل من وجهة نظري، مرحلة انتقالية وليست المرحلة النهائية للانتقال إلى الثقافة الديمقراطية. ترجع هذه الطبيعة الانتقالية إلى الظروف السياسية والاجتماعية المستقرة في معظم البلدان العربية والتي دخلت بدورها في مرحلة انتقالية نحو بناء حالة انفتاح سياسي واجتماعي. إن السؤال هنا يصبح على النحو التالي: بما أن الإعلام العربي يعيش مرحلة انتقالية مثله مثل معظم المجتمعات العربية، فمن الطرف الذي سيلعب دور القيادة للآخر لاستكمال مرحلة الانتقال والدخول بالكامل في ثقافة الانفتاح الديمقراطي... هل هو الإعلام الذي سيقود المجتمع أم العكس؟ أم أن كليهما سيسيران في خطين متوازيين بسرعة واحدة متزامنة لا سبق لطرف فيها على الآخر؟
إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي التمييز بين إعلام الدولة الرسمي وبين الإعلام الخاص. ذلك أن الإعلام المملوك للدولة عادة ما يسير بإيقاع موازٍ لإيقاع الحراك السياسي والاجتماعي الذي تقرره الدولة، في حين أن الإعلام الخاص يمكن أن يتسم بدرجة من السبق. إن الأمثلة التي تؤكد صحة هذا التمييز متعددة، ويمكننا هنا أن نسترجع الحالة السياسية والإعلامية في بعض الأقطار العربية في الستينيات عندما استقر الخيار السياسي للدولة على ما عرف بالتجربة الاشتراكية العربية.
في هذه الحالة واكب الإعلام الرسمي هذا الخيار وقدمت وسائل الإعلام للقراء ثقافة كاملة حول التجارب الاشتراكية في العالم، غطت الجوانب النظرية لمؤسسي الفكر الاشتراكي في أوروبا بقدر ما غطت النماذج التطبيقية المختلفة في دول العالم بدءاً بالنموذج السوفييتي الماركسي اللينيني ومروراً بالتجربة الماوية في الصين، وانتهاء بالتجارب الاشتراكية الأصغر في كوريا الشمالية بقيادة "كيم إيل سونج" والتجربة الكوبية بقيادة كاسترو.
بالإضافة إلى هذه الثقافة الواسعة حول التجارب الاشتراكية والتي قدمها الإعلام الرسمي، تم تقديم الاجتهادات التي كتبها باحثون عرب آمنوا بتلك التجربة وراحوا يمزجون بين الاشتراكية والإسلام وبين الاشتراكية والفكر القومي العربي. هذه الحالة التي سادت في الستينيات في مصر على سبيل المثال، تعني أن الإعلام الرسمي عادة ما يسير في خط موازٍ ومتزامن مع الخيار السياسي للدول.
وإذا ما انتقلنا إلى المرحلة الراهنة في عمر الإعلام العربي، فإننا سنلاحظ وجود حالة انفتاح في معظم الصحف العربية المملوكة للدولة، تساير درجة الانفتاح التي قررتها الدول في حين نلاحظ أن الإعلام الخاص خاصة الفضائيات العربية، قد اكتسبت سرعة أكبر في تقديم ثقافة الانفتاح الديمقراطي. هذا على الرغم من أن الفضائيات الخاصة في كثير من الأحوال تنشأ بتمويل من شخصيات بارزة وحاكمة في الدول العربية. إن هذه الحقيقة تشير إلى وجود سرعتين في الحراك نحو الثقافة الانفتاحية الديمقراطية عند بعض الشخصيات الحاكمة، سرعة للإعلام الرسمي المملوك للدولة وسرعة للإعلام الخاص المملوك للشخصيات الحاكمة.
إن هذه الحقيقة الغالبة لا تنفي وجود حالات استثنائية خارجة عن هذه القاعدة، حيث أستطيع من واقع خبرتي ككاتب في بعض الصحف المملوكة للدولة، في بلدين عربيين على الأقل، أن أقرر أن القائمين على هذه الصحف يقدمون للكتاب مساحة واسعة من الحرية لا تقل عن المساحة المتاحة في بعض الفضائيات، وإن اختلفت المساحة في الصحف من حيث تميزها بالتعبير الموضوعي الخالي من المهاترات والقائم على عرض الرأي في سياق من البراهين العقلية المؤيدة له، وفي إطار من الوقار وآداب الجدل والحوار مع الرأي الآخر.
معنى هذا الاستثناء أن الإعلام العربي الرسمي ذاته منقسم إلى إعلام يسير بسرعة متوازية مع الظرف والخيار اللذين تحددهما الدولة، وآخر يتقدم في سرعته وكأنه يقدم تبشيراً بخيار سياسي تزمع الدولة في مستقبل قريب أن تعلن تبنيها له بانفتاح في العملية السياسية والاجتماعية.
الحقيقة هي دخول الإعلام والسياسة العربية معاً في مرحلة انتقالية نحو مزيد من الانفتاح والمشاركة السياسية الأوسع.