في هذا الكتاب: من الذي قتل دانييل بيرل؟ يحاول برنار هنري ليفي أشهر الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين، تقديم إجابات فكرية عميقة تتجاوز مستوى التحقيق الجنائي في حادثة اغتيال الصحفي الأميركي دانييل بيرل، إلى مستوى الفكر والمفاهيم التي تقف وراء ذلك الاغتيال البشع الذي تعرض له الصحفي المذكور· تتناول المادة الرئيسية للكتاب، فكر وسيكولوجية الهوس الديني اللذين حركا الجريمة ودفعا مدبريها ومرتكبيها لتنفيذها· أما في مضمونه النهائي، فإن الكتاب يعد بمثابة دق لناقوس الخطر لما يمثله الفكر الديني المتطرف من تهديد لكل ما هو مستنير وإنساني· يبدأ الكتاب بالعودة إلى الحادي والثلاثين من شهر يناير ،2002 أي التاريخ الذي كان قد قطع فيه رأس دانييل بيرل، صحفي جريدة وول ستريت في إحدى مزارع مدينة كراتشي الباكستانية، وعرضت لقطات تنفيذ الجريمة بحقه حية على شريط فيديو· وعقب ذلك التاريخ ببضعة أشهر، تم العثور على جثة الصحفي القتيل وقد مثل بها وقطعت إلى عشر قطعة على الأقل·
على مستوى التحقيق الجنائي العادي حول الحادثة، فالعالم كله يعرف أن محكمة باكستانية قد أصدرت حكما بالإعدام شنقا على المتهم أحمد عمر سعيد شيخ باعتباره الرأس المدبر لجريمة اختطاف الضحية، بينما أدانت بالسجن ثلاثة ممن شاركوه في تنفيذ الجريمة، وهم يقبعون فعليا في أحد السجون الباكستانية الآن· بل إن هوية الشخص الذي نفذ عملية قطع رأس الصحفي، تكاد تكون قد حددت، إذ تشير أصابع الاتهام فيها إلى خالد شيخ محمد، أحد كبار قادة تنظيم القاعدة ، وهو رهن الاعتقال أيضا· ويعتقد أن خالد شيخ محمد هو من بين الرؤوس المدبرة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر2001 على الولايات المتحدة الأميركية·
هذا هو المستوى الجنائي للكتابة وتناول الموضوع من هذا الجانب· غير أن ما يشد اهتمام المؤلف حقا، هو ليس معرفة أسماء الأشخاص الذين خططوا للجريمة ونفذوها، بقدر ما هو مهتم بمعرفة الدوافع والكيفية التي نفذت بها· الأسئلة التي يطرحها المؤلف في هذا السياق تدور حول موضوعات مثل: ما الذي حدث لروح الإنسان، ما الذي أيقظ الوحش الكامن فيه من معقله؟ وما الذي يدفع إنسانا للتحول إلى كل هذا القدر من القسوة والشر؟ تبعا لهذين السؤالين، يطرح المؤلف سؤالا ثالثا حول الأسباب التي تجعل الإنسان يختار لنفسه طوعا وإرادة طريق الجريمة والعنف؟ لا يطرح المؤلف هذه الأسئلة وغيرها، على أساس من التجريد النظري الفلسفي البحت، وإنما يطرحها في سياق علاقتها المباشرة والملموسة بجريمة اغتيال الصحفي دانييل بيرل·
يقف المؤلف وقفة مطولة مع مدة الثمانية أيام التي مرت على اختطاف الصحفي القتيل، دون أن يتم فيها قطع رأسه، وهو الأمر الذي حدث لاحقا· فهل كان بيرل قد اختطف من قبل جماعة مهووسة ومفرطة في كراهيتها لكل ما هو أميركي ويهودي، علما بأن بيرل كان يجمع الاثنين معا، إذ كان أميركيا ويهوديا؟ ولم كان الانتظار طالما أن الأمر كذلك لمدة ثمانية أيام بكاملها قبل أن يقطعوا رأسه؟ هل لتلك المدة علاقة بمحاولة هربه، أم يا ترى لكونه كان يعلم بالكثير من المعلومات والتفاصيل التي كان يحتاجها مختطفوه؟ وإذا كانت الإجابة الأخيرة نعم، فأية تفاصيل ومعلومات كان يلم بها الصحفي القتيل؟
وفي سبيل الحصول على إجابات لكل هذه الأسئلة، فإننا نرتحل ونتنقل مع المؤلف في تسفاره الطويل، من وإلى مكان مسرح الجريمة، وإمضائه عام 2002 بكامله في البحث عن سر الإجابات وفك اللغز· ففي العام ذاته، كان المؤلف ليفي قد طار إلى كراتشي، حيث زار تلك المزرعة التي قطع فيها رأس الصحفي، إضافة إلى زيارته للفندق والغرفة التي كان يقيم فيها بيرل، حيث نفذت عملية الاختطاف التي تعرض لها· لم يكتف المؤلف بذلك القدر، بل زار مدينة لوس أنجلوس حيث التقى أسرة الصحفي القتيل، وتحدث إليها· في العام نفسه، غادر المؤلف إلى كل من البوسنة وإنجلترا، متقفيا آثار خالد شيخ محمد، المتهم بتنفيذ قطع رأس الصحفي·
أما من حيث الأسلوب وتكنيك الكتابة، فإذا ما بدا هذا الكتاب في عيون قرائه وذاكرتهم، شيئا أشبه وأقرب إلى القصص البوليسية المثيرة، فعندها يكون القارئ قد أصاب عين ما رمى إليه المؤلف· ذلك أن الكاتب قد تعمد أن يعطي كتابه انطباعا بأنه قصة من قصص الإثارة البوليسية· بينما تتوقف قدرة القارئ على النفاذ إلى ما هو أبعد من هذا المستوى البوليسي للتناول، على عمق معرفة القارئ وثقافته الفكرية التي تمكنه من اجتياز هذا المستوى السردي القصصي للجريمة· قراءة ليفي هنا تشبه قراءة كتاب فرنسيين آخرين في مثل هذه الموضوعات، أشهرهم البير كامو، في روايته الغريب وجان بول سارتر في مسرحيته المومس الفاضلة وغيرها من مؤلفات يتوفر فيها أكثر من مستوى واحد للقراءة، وتتعدد القراءات والنصوص والمضامين بتعدد القراء وسعة ثقافتهم، ودرجة ومستوى فهمهم وإدراكهم· ففي قراءتك لرواية الغريب مثلا، فإن القدرة على التقاط ما هو فلسفي في الرواية، هي مسألة درجة وتباين في العمق المعرفي بين قارئ وآخر، ليس إلا· وكذا الحال