دو فيلبان: شاعر الظل والابن الروحي لشيراك


جاء إعلان كلمة الشعب الفرنسي في معاهدة الدستور الأوروبي، قاطعا بالرفض ومدويا كالزلزال، وكان في مقدمة ضحاياه السياسيين رئيس الحكومة جان بيير رافاران الذي تلا قبول استقالته لدى الرئيس جاك شيراك، قرار آخر أصدرته الأليزيه بتعيين دومينيك دوفيلبان، وزير الداخلية في حكومة رافاران، رئيسا لأول حكومة في مرحلة ما بعد زلزال الأحد الماضي في فرنسا. ولئن مثلت استقالة رافاران وتعيين دوفيلبان خلفا له، صبيحة الثلاثاء الماضي وبعد 48 ساعة فقط على إعلان النتائج النهائية للاستفتاء الفرنسي على الدستور الأوروبي، محاولة من شيراك لاستعادة زمام المبادرة وللنهوض من رماد الهزيمة التي مني بها في الاستفتاء، فإن قرار "تصعيد" دوفيلبان إلى رئاسة "ماتينيون" كان محل تخمينات وتوقعات في بعض الأوساط الفرنسية، لكنه جاء بالفعل ليعطي دليلا آخر على العلاقة بين وزير الداخلية السابق ورئيس الجمهورية جاك شيراك، بقدر ما يشير إلى رغبة الأخير في "دفع العمل الحكومي" وإنقاذ ولايته التي تنتهي في عام 2007، خاصة مع ظهور منافسين من داخل حزبه (الاتحاد من أجل الحركة الشعبية) قد يمثلون تحديا لزعامته مستقبلا مثل زعيم الحزب نيكولا ساركوزي.


يوصف دوفيلبان بأنه السياسي "المقرب" بل "الابن الروحي" لجاك شيراك الذي تعرف عليه منذ 25 عاما وحظي بثقته ليبقى خلال سنوات عديدة أحد مسؤولي الظل؛ فكان مديرا لديوان وزير الخارجية آلان جوبيه في حكومة أدوارد بالادير بين عامي 1993 و1995، وشغل منصب الأمين العام للرئاسة أثناء ولاية شيراك الأولى (1995-2002)، وهو منصب أساسي في السلطة الفرنسية، وخلال تلك الفترة طرح مع آلان جوبيه وجيروم مونود مبادرة حل الجمعية الوطنية عام 1997، حيث أصدر الرئيس شيراك قرار الحل سعيا لتعزيز غالبيته النيابية، إلا أنها كانت انتصارا كبيرا للمعارضة الاشتراكية مما أرغم شيراك على التعايش خمس سنوات مع ليونيل جوسبان على رأس الحكومة.


ثم ظهر دوفيلبان في مقدمة الساحة الفرنسية والدولية في عام 2002 مع إعادة انتخاب جاك شيراك الذي عينه وزيرا للخارجية في أول حكومة شكلها رافاران، فبرز كسياسي متألق ونال شهرة دولية بإعلانه معارضة فرنسا للتدخل الأميركي في العراق، خاصة بعد خطابه الشهير داخل مجلس الأمن وفيه دافع بحماس عن خيارات فرنسا وجاك شيراك المعارضة للحرب، وتحدث يومها بلهجة مؤثرة؛ باسم قيم "أوروبا القديمة" واحترام القانون الدولي، ولقيت كلماته ترحيبا من قبل الجميع الذين صفقوا له بحرارة، في أمر نادر الحدوث داخل مجلس الأمن، بخلاف الجدل حول الحجج وذرائع الإدانة التي قدمها وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول لشن الحرب.


وكان دوفيلبان يُقدَّم في أحيان كثيرة على أنه صديق لأميركا وملم بشؤونها، حيث عمل في الفترة بين عامي 1984 و1990 السكرتير الأول ثم المستشار الثاني للسفارة الفرنسية في واشنطن، قبل أن يصبح المستشار الأول لسفارة بلاده في نيودلهي، لذلك لم تنس إدارة بوش تصديه لها أثناء الإعداد لغزو العراق، فأظهرت نهاية الأسبوع الماضي ترحيبا متحفظا على تعيينه رئيسا للحكومة وقال المتحدث الأميركي: "نعلم جميعا أنه عندما كان وزيرا للخارجية أجرينا معه محادثات من كل نوع ونحن نعرفه منذ ذلك الوقت".


في عام 1968 كان دومينيك غالو دوفيلبان، وعمره 15 عاما حينذاك، الطالب المضرب الوحيد في مدرسته في كاراكاس بفنزويلا تضامنا مع ثورة الطلاب، وبعد أن عاش متنقلا مع أسرته بين أميركا اللاتينية وإيطاليا والولايات المتحدة والمغرب الذي ولد فيه عام 1953، عاد ليستقر ويكمل دراسته في فرنسا حيث التحق بالمدرسة الوطنية للإدارة التي تخرِّج رموز النخبة الفرنسية، فانضم عام 1977 إلى "التجمع من أجل الجمهورية" قبل أن يحل محله في عام 2002 "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"، ثم بدأ مساره الدبلوماسي حين عين موظفا بوزارة الخارجية في يناير 1980. وإذا كانت لدوفيلبان شهرته في الأوساط العربية، إذ يهتم، على غرار شيراك، بقضايا العالم العربي، فالرجلان يجمعهما أيضا الولع بأفريقيا؛ لذلك استطاع دوفيلبان في يناير 2003 أن يجمع الأحزاب العاجية للتوقيع على اتفاق "كليبر" كحل سلمي للحرب الأهلية في ساحل العاج.


وتعود اهتماماته بالقارة السمراء إلى بداية عمله بالخارجية الفرنسية سكرتيرا لشؤون أفريقيا ومدغشقر، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 1984، كما أصبح في الفترة بين 1992 و1993 المدير المساعد لشؤون أفريقيا ومدغشقر. وأخيرا شكلت فترة توليه وزارة الداخلية والأمن الداخلي والحريات المحلية في حكومة رافاران الثالثة (بين نهاية مارس 2004 ونهاية مايو 2005)، مناسبة له كي يرى وجها آخر للقارة الأفريقية في مهاجريها وما يطرحه وجودهم في فرنسا من إشكالات.


لكن تولي الأرستقراطي الأنيق، صاحب الشعر الأبيض والقامة المديدة، رئاسة "ماتينيون" من خارج البرلمان، شكل