إنه سؤال يشبه: هل يجوز للقدم أن تنتصب أو لليد أن تمتد؟ وللقلب أن يخفق؟ فهو من البديهيات، ولكن الثقافة الميتة عندها قدرة على أن تجعل البديهيات موضع سؤال؟
ومع أن الفقه يقوم على أساس أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولكن فقهاءنا الجدد قالوا إن الأصل في الأشياء الحرام، وجعلوا أكبر سد في العالم هو سد الذرائع؟
وهذا الموضوع تجاوزته معظم البلدان الإسلامية، ولكن ما زال يجادل فيه البعض مثل جدل أهل بيزنطة عن جنس الملائكة هل هم ذكور أم أناث؟.
وحساسية الموضوع تأتي من ضغط العادات أكثر من نصوص القرآن، فلا يوجد نص في القرآن يقول بحرمة قيادة النساء. وقضية قيادة المرأة للسيارة هي قمة الجليد، وتخفي تحتها كوكبا كاملاً من تضاريس شتى.
وإذا كانت النساء المنقبات من الطبقة المخملية في دمشق يقدن السيارات الفارهة، فلا يعني هذا أن وضع المرأة هناك بخير، فالمتدينات اللواتي يسقن السيارة في دمشق، قد سلمن عقولهن لشيخة تسوق لهن العقول بدون شهادة سياقة؟
وهذا يفضح إشكالية كبيرة فليس من رشد واهتدى، ولا من مشى بساقين ضل وغوى، والمسألة تدور ببساطة حول: هل المرأة كائن مستقل عاقل راشد موضع للثقة يمكن أن تقرر لنفسها بنفسها؟ أم أنها كائن قاصر، وجيب جنسي، ومصدر إثارة وعربدة، ومخلوق متقلب مزاجي لا يؤتمن، بنصف دين وربع عقل؟
والحداثيون يربطون القضية بالدين؛ فرحين بهذا النصر الهزيل، والدين ليس مسؤولا عنه بل الثقافة، وهو بلاء يصيب المتشددين والحداثيين على حد سواء.
وإذا كان المتشددون قد احتكروا ركوب الجمال والحمير للنساء، وقصروا قيادة السيارة للفحول من الرجال، فوضع المرأة تحت مظلة الأنظمة الثورية ليس أفضل حالاً، ويشاهد المرء في سوريا وتركيا وتونس منع المحجبات من دخول المدارس، في الوقت الذي يحظر في بلاد عربية أخرى على الفتاة أن تدخل المدرسة إلا وهي كتلة من السواد.
وفي ظل الإكراه لا يعتبر الإيمان إيماناً ولا الكفر كفرا، لكن الأكيد أن الآدمي عند الاثنين يصبح بهيمة.
وفي هذه النقطة يلتقي الحداثيون والأصوليون على غير ميعاد؛ فكلا الفريقين يمارس الإكراه من جهته، وينطلق البعثيون والإسلاميون من نفس القاعدة النفسية، فلا يزداد الوطن إلا نكسا وخسفا ومسخا.
وعن غطاء الرأس قال المتشددون إن الإسلام بني على ست: أولها غطاء الرأس، وتورط في تحريمه الفرنسيون بحماقة كانوا في غنى عنها. ويضحك أهل كندا على الفريقين.
وإذا كانت المرأة في الكويت قد حققت دخولها إلى البرلمان فما زالت في نظر الأصوليين عرجاء حدباء مقوسة مثل ذنب الكلب لا يستقيم أبداً ولو وضع في المكواة؟ ولم تتقدم المرأة إلا على جسر من المعاناة فوق نهر من الدموع.
كما أن وضع المرأة العالمي ليس أيضا ذلك الصحي، ولم تصل المرأة في بريطانيا للقدرة على التصويت إلا عام 1912، فكيف بحال المرأة العربية في حريم المتشددين وإباحية الحداثيين؟
ومالك بن نبي انتبه إلى المشكلة منذ زمن بعيد فقال إن من يغرق في تغطية المرأة هو مثل من يفرط في تعرية المرأة، في الوقت الذي يظن البعض أن التغطية تقوى والتعرية فجور. واللاشعور واحد عند الاثنين بشهوة امتلاك الأنثى.
وفي تعبيرات الفحول توصف المرأة بأنها (جوهرة) وهو تعبير فاضح عن خزانة الذكر العامرة بالأشياء؟
وتكشف البيولوجيا اليوم القناع عن حقيقة تفيد أن الكروموسوم الذكري قد تآكل ثلثاه حتى الآن، وهو ماض في رحلته، وهذا يعني أن القرون القادمة سوف تحمل لنا خبر انقراض جنس الذكور لعدم صلاحيته، وبذلك تكون الحياة قد تخلصت من ورطة ذكور البشر والنحل.
ومن يقرأ كلامي من الذكور يضحك، ولكن الصومالية عيان الحزري هربت إلى هولندا وتكتب إنني أتهم؟.