ما حدث في فرنسا يوم الأحد الماضي يؤكد أن تجربة الاتحاد الأوروبي سوف تواجه أوقاتا شديدة الصعوبة وأن زلزال رفض الناخب الفرنسي للدستور الأوروبي سيترك آثارا سلبية على مجمل التجربة التي استأثرت باهتمام وإعجاب العالم، ربما تستمر لفترة طويلة.. وهو ما عبر عنه الكثيرون من قادة أوروبا فور ظهور نتائج الاستفتاء.
فمشروع الدستور الأوروبي الذي يهدف بشكل أساسي إلى تنظيم عملية اتخاذ القرار داخل منظومة الاتحاد لا يمكن أن يصبح ساري المفعول إلا بموافقة جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والبالغ عددها 25 دولة.. وهذا يعني أن رفض دولة واحدة يعادل رفض كل الدول لأن النتيجة هي عدم خروج الدستور الأوروبي الذي تمت صياغته العام الماضي بعد مفاوضات مطولة وصعبة بين حكومات الدول الأعضاء.. إلى النور.
وحتى يوم الأحد الماضي كانت تسع دول قد أقرت الدستور بينها دولة واحدة أخضعت الموافقة لاستفتاء شعبي هي إسبانيا.. فيما أقرت ألمانيا الدستور يوم الجمعة الماضي.. ويخوض الدستور غدا في هولندا اختبارا آخر لا يقل صعوبة عن الاختبار الفرنسي وربما ينتهي إلى نفس النتيجة حيث تتزايد أعداد الهولنديين المعارضين للدستور الأوروبي·
المناقشات الموسعة التي واكبت صياغة الدستور والتي صاحبت إقراره من قبل كل دولة من الدول الأعضاء أظهرت أن المشكلة الحقيقية تكمن في الهوية الوطنية أو رفض الاندماج في الآخر أو ذوبان الجزء في الكل مهما كانت الأهداف وأيا كانت المكاسب على المدى البعيد، وهو بالتحديد ما عبر عنه الناخب الفرنسي.
فالرافضون للدستور الأوروبي بشكل مطلق يرون أنه يساوي دولا صغيرة غير مؤثرة بدول عظمى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في التأثير على اتخاذ القرار الأوروبي وتحديد مستقبل القارة·· أصحاب هذا الرأي يؤمنون بأن الدستور الأوروبي سيخضع ''الكبار'' لهيمنة الكبار·· وسيساوي رؤوسا لا ينبغي لها أن تتساوى·· الموافقون على الشكل دون المضمون يربطون الموافقة الكاملة على الدستور بتعديلات جذرية تحفظ للكبار مكانتهم وتأثيرهم من خلال إقرار حق الفيتو للدول الأوربية الكبرى·
ويبقى السؤال: هل سيتعافى الاتحاد الأوروبي من تأثير الزلزال الفرنسي؟·· الإجابة على هذا السؤال ستتضح خلال الأسابيع القليلة المقبلة·· وربما تحدد شكل العالم وخريطة توازن القوى لعقود طويلة قادمة·